مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

مناهج زاحمت المنهج القرآني

هل توجد مناهج وقواعد أخرى زاحمت المنهج القرآني في وضع أسس التعامل والتعايش، مما أدى لاختلاف المتدينين في التعامل مع الناس وظهور الجفوة بينهم وبين العامة؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، يعني، لكن قبل أن أجيب على هذه القضية بالذات لي تعليق بسيط حول مقدمة السؤال؛ إذ حسنا، يعني، قلتم بأن كثيرا من الناس ينظرون إلى المتدينين، إلى الملتزمين بأحكام الله تعالى، ومن خلالهم يقومون هذا الدين وأخلاقه وآدابه وقيمه، ولهم كل الحق في ذلك؛ ولذلك كان من الواجب على المتقين وعلى الصالحين أن يكونوا أكثر التزاما بأخلاق هذا الدين، لأنهم في مقام الأسوة، في مقام أن يُقتدى بهم، نعم، ولذلك كان يعني الالتزام في حقهم أوجب وألزم طالما أنهم صاروا، وهكذا أيضا ذو المناصب والولايات العامة؛ لأن الناس تتأسى بهم، ولأنهم منظور إليهم كما يقول الفقهاء، ولذلك كانوا أحوج إلى الصبر، وكانوا أحق بكظم الغيظ واحتمال الأذى. الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لأشج عبد القيس: «إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحِلم والأناة». ولِمَ أيضا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد احتمالاً للأذى وأصبر على مخالطة الناس؟ لأن الله تبارك وتعالى أمره بذلك فقال: ﴿فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: 10]؛ فهو مأمور بالصبر في مخالطته لهم، ومأمور أن يحتمل الأذى، وأن يهجر إذاهم ذلك، فلا يقابله بالمثل، فيكون هجرانه هجرا جميلا، لا أن يهجر أمر دعوتهم إلى الخير. ومن هنا أدخل إلى لبّ السؤال؛ فالمسلمون مأمورون بأن يتناهوا عن المنكر، وأن يأمروا بالمعروف، وأن يتناصحوا فيما بينهم، وأدلة ذلك كثيرة معروفة في كتاب الله عز وجل: أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأدلة تغيير المنكر، وأدلة التناصح والتواصي بالحق، لكن هذا لا يعني أن يلجأ المسلم إلى ما ينفّر الناس، نعم، وإلى ما يبعدهم عن حب أحكام دين الله عز وجل، وحب التأسي بالصالحين والمرسلين، وامتثال المنهج القرآني في أخلاقهم، في معاملتهم لبعضهم البعض. بل من الواجب أن يحرص المسلمون على قوام بقائهم ومصدر خيريتهم، أو مصدر دوام خيريتهم، في محافظتهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، وأداء واجب النصيحة، لكن ذلك مشروط بجملة من الآداب والأخلاق التي نص عليها كتاب الله عز وجل: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]، وقوله أيضا جل وعلا: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: 34]، ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾، ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: 35]. ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا۟ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِۚ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِى ضَيْقٍۢ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: 126-127]. ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159]. ثم التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته القولية وفي سنته الفعلية؛ لأن أخلاقه صلى الله عليه وسلم من أقوال وأفعال كانت خير ما يمثّل المبادئ الخلقية والقيم النبيلة التي دعا إليها كتاب الله عز وجل، ولذلك أثنى عليه القرآن العظيم في قوله جل وعلا: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]. لكن الذي حصل أن كثيرا من الناس – للأسف الشديد – عبر تاريخ هذه الأمة أبعد النَّجْعَة في استمداد القيم والأخلاق النبيلة؛ فبدل أن يأخذها من مصادرها، من كتاب الله عز وجل ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية الثابتة الصحيحة عنه عليه الصلاة والسلام، إذا ببعض الناس وبعض الدعاة وبعض العلماء يستبدلون بالأخذ من هذه المصادر الأخذ من تصرفات وأعمال وأفعال بعض العلماء وبعض الأئمة والدعاة، فيما يسمونه هم بالسلف الصالح، في حين أن هذه التشريعات وهذه الأحكام هي واضحة جلية في كتاب الله عز وجل. لا شك أنه لا حرج في التأسي بالصالحين، لا حرج في الاقتداء بهم، لكن ذلك إنما يكون مشروطا بموافقتهم للهدي القرآني، نعم، في أخلاقهم، في أفعالهم وأقوالهم، وفي تعاملهم مع سائر الناس؛ لأن لأعمال وتصرفات الناس، مهما بلغوا من المنزلة، ما يكتنفها من الظروف والأحوال والملابسات التي قد لا تُنقل إلينا، والتي قد تَصْلُح لهم في وقتهم وزمانهم ومكانهم، لكنها لا تصلح أن تؤخذ وتُنْسَخ لكي تكون هي المقياس والمعيار الذي يُحاكَم به الناس، والتي على أساسها يُصنَّف الناس بين فاسق ومبتدع وضالّ وأهل بدعة، وبين تقي صالح منتسب إلى السلف أو غير منتسب إليه. هذا هو الذي أدى إلى كثير من مسببات هذه الفجوة التي تشير إليها. هذا من ضمن أهم الأسباب، من ضمنها أيضا أن منظومة القيم والأخلاق التي يشتمل عليها ديننا في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم – للأسف الشديد – عبر اجتهادات العلماء أُبعدت من هذه المصادر، بل أُبعدت من أن يكون الفقه الإسلامي هو الذي يتناولها، وإذا بنا نجدها في الغالب مبثوثة في كتب المنطق والفلسفة، نعم، وكأنها قضايا فلسفية منطقية نظرية لا تمت إلى الواقع بصلة، مع أن أصل الفقه أن يتناول الأحكام الشرعية، ومن الأحكام الشرعية ما يتصل بمعاملة الناس لبعضهم البعض: كيف يعامل المسلم إخوانه المسلمين؟ كيف يعامل سائر الناس؟ ما هي الأسس التي يستند إليها في معاملته؟ ما هو الثواب الذي يترتب على إحسانه أو العقاب الذي يترتب على إساءته للآخرين؟ فهذا الصنيع من تهميش علم الأخلاق وما يتصل بالأدب الإسلامي – أي الأدب بمعنى القيم الإسلامية – من دوائر الفقه لكي تكون محصورة في كتب المنطق والفلسفة والكتب النظرية هو أيضا من الأسباب التي أدت إلى نشوء هذه الفجوة؛ لأن الناس لم يتعرفوا، لا من حيث تعرّف الدعاة ومَن تفضّلتم بتسميتهم أنهم المتدينون، ولا تعرّف عامة الناس أيضا على هذه الأحكام الفقهية، لا في جانبها النظري من خلال قراءاتهم واطلاعهم، ولا من حيث الممارسة والتطبيق. وهذا مما أدى إلى الفجوة. كذلك من ضمن الأسباب التي يمكن أن تُضاف في هذا السياق ما يعني جهل كثير من أبناء المسلمين بهذه الآداب والقيم، نعم، فإذا بهم يزكون أنفسهم ويبخسون الناس أقدارهم ومنازلهم؛ فتزكية النفس لا شك سوف تؤدي إلى الغرور وإلى التكبر على الآخرين. والله تعالى يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ [القصص: 83]؛ فالتكبر رُبط في كتاب الله عز وجل بالإفساد والفساد في هذه الأرض، وهذا من الغرور، ولذلك حذّر الله تعالى منه في كتابه الكريم حينما قال: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ﴾ [النجم: 32]، وقال: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: 37]، ﴿كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: 38].
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٧‏/٥‏/٢٠١٣
🎬

المعاملة بالحسنى وأسلوب التعايش 1 - د. كهلان الخروصي FULL HD

سنة النبويةمسائل متنوعة

✦ فتاوى مشابهة

التوجيه القرآني للحسنى

3 👁

ما هو التوجيه القرآني في دعوة الناس إلى منهج التعامل بالحسنى كبديل عن مجرد الترك والتخلي عن الصفات الذميمة؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٧‏/٥‏/٢٠١٣

منهج الخطاب القرآني

2 👁

كيف يوجه الخطاب الديني لمعالجة المخالفات في مجتمع فيه قدر من الإيمان دون تشنج، استلهامًا من قصة أصحاب الكهف؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٤‏/١‏/٢٠٢٢

منهج التعامل مع كتب التفسير

0 👁

ما المفاتيح المنهجية العامة التي نتعامل بها مع كتب التفسير وكتب المفردات والمتشابه؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١١‏/٥‏/٢٠٢١

الطريق إلى الفصاحة في الخطبة

3 👁

هل هناك طريقة معينة يمكن أن يتبعها الخطباء حتى يكونوا خطباء مفوهين ويقووا منطقهم وتأثيرهم؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
١٧‏/٧‏/٢٠١٣

اختلاف مناهج الدعوة

4 👁

بعض الدعاة يختلفون في مناهج وأساليب الدعوة رغم اتفاقهم في الأصول، مما يورث حزازات بينهم، فهل يجب أن تتحد مناهج الدعوة أم يجوز اختلافها؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٣١‏/٥‏/٢٠١١

منهج الفقيه في النوازل

2 👁

ما المنهج الذي يتبعه الفقيه إذا لم يجد نصًا شرعيًا مباشرًا يحكم به على منتج أو معاملة مالية معاصرة؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٤‏/١١‏/٢٠٢١