⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وعلى كل من سار على نهجه إلى يوم الدين. أما بعد: فإن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: 2]، ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
في هذه الآية الكريمة ما يدل على أن إحدى أهم وظائف النبي صلى الله عليه وسلم أن يزكي هذه الأمة؛ بحيث يرفع من شأنها، ويقود هذه النفوس إلى ما في مرضاة الله سبحانه وتعالى، وما فيه سعادتها في الدنيا والعقبة. فإذا هي وظيفة جليلة يقوم بها هذا النبي: يزكيهم.
وإذا جئنا إلى أمر التزكية كما ذكرنا نجد أن هذه الآية تدل على أنه لا بد أن يكون هناك مزكٍ أو مربٍ، أو ما يسميه بعضهم بشيخ، لكن «المزكي» أولى؛ أخذًا من دلالة الآية، لأنه ليس كل أحد يصلح للتزكية أو للتربية.
فلا بد أن يكون هذا الذي يقوم بالتزكية أن يكون هو نفسه على صلاح وعلى استقامة؛ لأن هذا الطالب، أو ما يسميه بعضهم بالمريد، يذهب إلى هذا الشيخ ليضع نفسه بين يديه، يقلبه كيف يشاء، كما قالوا: كالميت بين يدي مغسّله، لأن هذا الطالب إنما هو جاهل، هو ضعيف، فلذلك هو محتاج، ولا يعلم شيئًا عن أدواء النفس ولا عن كيفية علاجها، فإن أراد الانتفاع فيجب عليه أن يتواضع لأستاذه، وأن يسلّم الأمر إليه حتى يستفيد منه.
فهنا موقع الشيخ موقع خطير؛ لأنه إن لم يكن على صلاح وعلى استقامة قد يستغل حاجة هذا الطالب إليه فيما يضر هذا الطالب؛ قد يهتك عرضه والعياذ بالله تعالى، أو يأخذ ماله دون وجه حق، أو يستغله في تحقيق مصالحه الخاصة، إلى غير ذلك من الأمور، فهنا يجب أن يتحرى هذا الطالب الذي يريد تزكية نفسه أن يتحرى الشخص الذي يُعرَف بالصلاح والاستقامة لكي يأمنه على نفسه، لكي يأمنه على دينه.
فهنا التزكية إنما هي على دين الله سبحانه وتعالى، إنما يراد بها الدار الآخرة، فلا يؤمن من شخص لا يتقي الله سبحانه وتعالى أن يلقي به في الهاوية والعياذ بالله.
الشيء الآخر: أنه لا بد أن يكون هذا الشيخ على علم بشرع الله عز وجل، فإن كان هذا الشيخ المزكي على جهل بدين الله عز وجل فإن جهله قد يوقعه في مهاوٍ، ويوقع مريده أيضا أو تلميذه في مهاوٍ أيضًا، فيسلك مسالك مخالفة لشرع الله عز وجل. وهنا كما ذكرت: من أهم قواعد تزكية النفس أن تكون قائمة على منهاج النبوة، على قاعدة شرع الله سبحانه وتعالى.
كذلك أيضًا لا بد أن يكون هذا الشيخ على خبرة ومعرفة بأدواء النفوس وكيفية علاجها؛ فربما عند بعض الناس لديهم علم في الشرع، ولكن ليس لديهم خبرة في التربية، وهذه مهارة أو خصلة يهبها الله تعالى لمن يشاء من عباده، فهي ملكات عند بعض الناس دون بعض؛ فقد يكون بعض الناس غير واسع العلم في دين الله تعالى، ولكن لديه ملكة في تربية الآخرين، لديه أسلوب في التنشئة. ولذلك لا بد أن يكون هذا الشيخ على إدراك بأمراض القلوب وكيفية علاجها.
وهنا تكمن أهمية الشيخ بالنسبة لهذا التلميذ أو المريد؛ لأن هذا الشيخ هو الذي يستطيع أن يجعل هذا الطالب في أي مرتبة نعم، حتى يعامله على حسب المرحلة التي هو فيها؛ فإن كان في المرحلة الأولى يعامل بالمرحلة التي يستحقها، وإن كان أعلى من ذلك شأنًا عامله أيضًا بما يناسبه، فلا يطالبه بشيء مثلا فوق طاقته فيعود بالخسران، وينقلب إلى نفور، فهذا أمر مهم.
ثم إن ملكات الطلبة تختلف أيضًا من واحد إلى آخر؛ فربما يسلك بعض الطلبة سلوكًا منحرفًا فيحتاج إلى تقويم بالشدة، وتنفع معه الشدة، بينما آخر لا تنفع معه شدة، وإنما يحتاج إلى لين. ثم إن هناك من يسير رويدًا رويدًا، بينما هناك من ينطلق انطلاقة سريعة، فيحتاج إلى احتواء حتى يبلغ درجة أن يتفوق على شيخه، وتلك وتلك حظوظ للإرادة قسمها وحكمة من يختارنا ويُخيِّر.
وربما يعنّ لهذا الطالب بعض المشكلات وبعض الأمراض، فتحتاج إلى خبير: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾، فلذلك يكون هذا الشيخ مدركًا لهذا المرض وكيفية علاجه، حتى يأخذ بهذا الطالب إلى شاطئ الأمان وبرّ السلامة نعم.