⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
النفاق نفاق؛ هذا الذي أخذ به أصحابُنا وقال به كثير من علماء الحديث.
النفاق نفاق عقدي ونفاق عملي؛ فالنفاق العقدي هو النفاق الذي يضمر معه المنافق عكس ما يُظهر من العقيدة، وهذا شأن المنافقين الذين كانوا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنهم كانوا ينطوون على عقيدة الكفر مع إظهار الإيمان، وقد قال الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ۙ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾، فالله يشهد بأنهم في شهادتهم هذه هم كاذبون، مع كونهم صدقوا في أن النبي صلى الله عليه وسلم هو رسول الله، ولكنهم كذبوا لأنهم لم يشهدوا شهادة صادقة من أعماق قلوبهم، وإنما قالوا هذه الشهادة بألسنتهم، فهي كذب باعتبار أنها لم تصدر عن قلوبهم، لم يؤمنوا بما يقولونه، هم كاذبون في هذا، فهؤلاء المنافقون هم شر الناس حالًا.
ولذلك نجد في سورة البقرة التشهير بهم في آيات كثيرة، في بضع عشرة آية، بعد ما ذكر الكفرة المصرِّحين بكفرهم في آيتين فقط، وذلك لخطورة هؤلاء؛ لأن هؤلاء كما يُقال طابور خامس، وهم يريدون أن يدمِّروا الإسلام من الخلف وأن يضربوه من الداخل، فلذلك كان أمرهم أمرًا خطيرًا.
هؤلاء صنف من المنافقين، ونفاقهم صنف من النفاق.
أمّا الصنف الثاني فهو نفاق أي المخالفة لمقتضيات الإيمان؛ هذا النفاق، لأنه ليس هو الإيمان الصحيح المطلوب من الإنسان؛ الإيمان الصحيح المطلوب من الإنسان هو أن يتطابق العمل مع الاعتقاد بحيث لا يعتقد اعتقادًا ومع ذلك يخالفه العمل.
وتدل على ذلك آيات كثيرة في كتاب الله تعالى، منها قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ، وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ، وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾، فالله سبحانه وتعالى حصر الإيمان الحق في هذا الصنف من الناس، وذلك بـ«إنما» التي هي أداة حصر، ثم بتعريف المسند والمسند إليه وتوسيط ضمير الفصل بينهما: ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾.
وكذلك نجد أن الله سبحانه وتعالى يبين حقيقة الإيمان ووصف المؤمنين في قوله عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ، يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ، وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ، وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ، فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ، وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، ثم وصف هؤلاء، ما هي صفاتهم؟ قال: ﴿التَّائِبُونَ العَابِدُونَ الحَامِدُونَ، السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ، الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ، وَالحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ، وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾. فحسبُنا الوصف الأول والوصف الأخير من أوصاف هؤلاء؛ الوصف الأول: التائبون، والتائب هو الذي يحاسب نفسه على تفريطه ويعود إلى الله سبحانه وتعالى ويحرص على أن يمحو خطيئته بالتوبة والرجوع إلى الله، والوصف الأخير: ﴿وَالحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾، فهم يحفظون حدود الله، ومعنى ذلك أنهم يحرصون على تجنيب أنفسهم معاصي الله سبحانه وتعالى، فإن وقعوا في معصية كانوا سراعًا إلى التوبة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، هذا هو حال المؤمنين.
وكذلك قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ، فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ العَادُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ، أُولَٰئِكَ هُمُ الوَارِثُونَ، الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ، هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾؛ فالله وصف المؤمنين الذين هم مفلحون بهذه الأوصاف العظيمة، وبعد أن وصفهم بها حصر الفلاح في هؤلاء عندما قال: ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الوَارِثُونَ، الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ، هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
وتجد أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم جاءت معزِّزة لما دل عليه القرآن ومؤكدة لهذا المعنى العظيم؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الإيمان بضعٌ وستون شُعبة ـ وفي رواية: بضع وسبعون شعبة ـ أعلاها كلمة لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى من الطريق، والحياء شعبة من الإيمان»، فقد نبّه النبي صلى الله عليه وسلم هنا على الإيمان وشُعَبه؛ ذكر نموذجًا للعقيدة والقول، هذا النموذج هو في «لا إله إلا الله»، أعلى شعب الإيمان، ونموذجًا للعمل، والنموذج العملي الذي ذكره قد يستخف الناس به ولا يهتمون به، ولكن جعله من صميم الإيمان، وهو إزالة الأذى، إماطة الأذى عن الطريق، وذكر نموذجًا للأخلاق وهو الحياء؛ فإذا الإيمان ينطوي على العقيدة والعمل والقول والأخلاق، كل من ذلك مما يندرج في الإيمان.
فالذي يكون حاله مخالفًا لما يعتقده فإنه غير مؤمن حقًّا، وبهذا يكون من المنافقين نفاقًا عمليًّا. هناك نفاق عقدي وهناك نفاق عملي؛ لأن أصل النفاق ما هو؟ النفاق هو من نافقاء اليربوع، أُخذ من نافقاء اليربوع؛ فلليربوع بابان لبيته: نافقاء وقاص؛ فالنافِقاء هو باب خفي، والقاص باب ظاهر، فإذا أراد أحد أن يصطاده خرج من الباب الخفي الذي لا يعرفه الناس، والذي يُغَشَّى بشيء من التراب حتى لا يظهر أن هنالك بابًا حتى يتمكن من الخروج، فهو يهرب منه.
فكذلك الذي يعلن كلمة التوحيد أو يعلن الإيمان، وهو مع ذلك ينطوي على خلاف ما يعلنه من عقيدة مخالِفة لتوحيد الله تعالى والإيمان برسله، فلا ريب أنه يكون كأنه دخل من باب وخرج من باب آخر، فهو خرج من باب الإيمان من باب خفي. وكذلك بالنسبة إلى الذي يكون عمله مخالفًا لمقتضى إيمانه، فإنه ولا ريب يكون نفاقه نفاقًا عمليًّا، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد أن يضرب مثلًا بما ذكره، فهذه الصفة: «إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان»، جاء أيضًا في روايات أخرى أربع، ذكر أربع، وهذه الأربع أيضًا جاءت مختلفة؛ جاء «إذا خاصم فجر»، وجاء «إذا عاهد غدر»؛ من جملة خصال النفاق ومن جملة خصال المنافق.
فإذًا النفاق لا ينحصر في هذه الصفات التي ذكرها صلى الله عليه وسلم، وإنما أراد بذلك أن يضرب مثلًا تقريبًا للأفهام.