⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن المؤمن يكون دائماً موصولاً بالله سبحانه وتعالى في يُسْره وعُسْره، في شدته ورخائه، في ضيقه وسعته، في جميع أحواله، ذلك لأن جَرْيَ يدِ الله تعالى هي التي تصرِّف الكون، ويربط هذا كله بما يحدث من الجنس البشري من أعمال تُسبِّب إمّا رحمة الله تعالى أو نقمته.
فلذلك يكون الإنسان المؤمن شديد الحذر، وكثير المحاسبة للنفس لئلا يكون متورِّطاً ومُورِّطاً بسبب مخالفته لأمر الله، فهو مع الشدة والرخاء يحاسب النفس.
وعندما يكون الرخاء لا يندفع وراء شهوة النفس ووراء غرورها، بحيث يرى أن ذلك الرخاء نعمة، لأنه قد يكون استدراجاً، وقد يكون أيضاً أمراً، في حال الشدة يكون أيضاً يستدعي محاسبة النفس، ذلك لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30]، والآيات في هذا كثيرة جداً.
فلذلك المؤمن يحاسب نفسه في رخائه وشدته، وهو في شدته لا ييأس من رَوْحِ الله، كما أنه في رخائه لا يأمن مكر الله، فيكون دائماً بين الخوف والرجاء، متعلقاً بالله سبحانه وتعالى في جميع أموره.
على أننا نجد في كتاب الله سبحانه وتعالى ما يدعو إلى الاستبصار ويدعو إلى التفكر فيما يحدث في هذا العالم – كما قلنا – يُسراً وعُسراً، وشدة ورخاء، وفرحاً وترحاً، كل ذلك مما يجب على الإنسان أن يحرص على التأمل والتبصُّر فيه حتى يرى من خلال هذه الأحداث كيف حكمةُ الله تعالى تتجلّى في كل شيء.
ولا ريب أن ذنوب العباد كثيرة، وتركهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما يسبِّب سخط الله تعالى، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: 78-79].
نحن نرى أيضاً الآية الكبرى فيما حدث لبني إسرائيل وقُصَّ علينا في القرآن الكريم من اعتدائهم في السبت، وما حصل من الأخذ والرد بين طوائفهم، ذلك لأن منهم من أنكر هذا الأمر، ومنهم من مالأ، ومنهم من سكت لأنه كان آيساً من التأثير على أولئك الذين وقعوا في هذا المنكر، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: 163-165].
فالله تعالى نَجَّى الذين ينهون عن السوء، وأخذ الذين ظلموا بعذاب بئيس، والذي يتبيّن أن قوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ يَصْدُق على المُرْتَكِب وعلى الساكت، ذلك لأن الله تعالى قال في موضوع آخر: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾، فعدم النهي عن المنكر هو الذي يؤدي إلى مثل هذه الأحوال.
لذلك على الأمة أن تستيقظ، على المجتمع أن يستيقظ، وأن يثوب إلى رُشده، وأن يحرص على أن يعرف أسباب سخط الله سبحانه وتعالى، وأبواب عقابه ليسد هذه الأبواب.
فنحن نرى أن الله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا * وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: 16-17].
المسلم يربط هذه الأحداث كلها بالقرآن الكريم، ويتأمل آيات الله تعالى الناطقة وآياته الصامتة، ويربط ما بين هذه الآيات الصامتة والآيات الناطقة.