⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
فان المؤمن حينما يصاب بشيء من الابتلاءات فإنه ينظر بمنظور دينه، مهتديا بهدي الكتاب العزيز، متتبعا لما يحثه عليه إيمانه بالله واليوم الآخر من الاعتبار والاتعاظ، وفي تفسير هذه الابتلاءات، وفي فهم هذه المصائب والمصاعب التي يمر بها المسلم أو تمر هي به.
ونحن إذا جئنا إلى هذا المصاب الذي هو هذا الوباء العالمي المتفشي، الجائحة التي أصابت الناس، فإنه لا ينبغي لنا أن يعزب عن أذهاننا أولا ما أرشدنا إليه القرآن الكريم في مثل هذه الأحوال، فالله عز وجل يقول: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ * لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41-42].
هذه الآية الكريمة اشتملت على بيان السبب أولا، ثم بيان الحكمة، وبيان العاقبة. فالفساد بكل أنواعه، وهو يشمل الضر والأذى والأمراض والأوبئة والنقص في الأموال والأنفس والثمرات، إنما هي بتسبب من البشر أنفسهم: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾، والعاقل يتهم نفسه، وعليه أن يراجع هذه النفس، وأن يفتش فيها عما قصر فيه من حقوق الله تبارك وتعالى.
وذلك يصدق على الفرد، وعلى المجتمع، وعلى الوطن. كم قصرنا في حقوق ربنا تبارك وتعالى؟ كم رأينا من منكرات منتشرة في مجتمعنا ولم نتناهَ عن المنكر، ولم نتناصح فيما بيننا ونتواصَ بالصبر؟ كم أدخلنا أنفسنا في مضائق مما يكدر العلاقة بيننا وبين ربنا في أمر ديننا، وأهملنا ذلك ولم نلتفت إليه؟ وهذا كما تقدم يصدق على المستوى الفردي وعلى مستوى الجماعة والمجتمع.
ولذلك فإن نظر المؤمن إنما ينبثق من تصوره هذا؛ عليه أن يتهم نفسه بالتقصير، وأن يراجع هذه النفس، وأن يعين إخوانه من بني مجتمعه على الانتهاء عن المنكر، وتجنب أسباب الفساد بكل أنواعه، مما يتصل بالعبادات أو ما يتصل بالمعاملات أو ما يتصل بالأخلاق والقيم والآداب.
فربنا تبارك وتعالى جعل هذه الحياة تسير وفق نواميس وسنن إلهية، ولا ريب أن التسبب في سخطه جل وعلا يورث أن يبعث الله عز وجل من آياته ونذره ما ينبه به العباد، ما يذكرهم بالعودة إليه، ولزوم البحث عن الأسباب الصحيحة. ولأننا مجتمع مسلم فإننا سنبحث في هذه الأسباب، ولذلك لن نمر على مثل هذه المعاني القرآنية دون أن نتأمل فيها.
في نفس الآية الكريمة: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾، فربنا تبارك وتعالى إنما يذيقنا بعض ما كسبته أيدينا، ما قارفناه في صلتنا به وفي حقوقه علينا، وفي حقوق العباد علينا، وفي حقوق الحياة علينا، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾؛ هذه هي الحكمة: لكي نعود ونؤوب إلى ربنا تبارك وتعالى.
ويتأكد هذا المعنى أيضا في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 43]. فهؤلاء كان الواجب عليهم حينما يذيقهم الله تبارك وتعالى شيئا من البأس أن يتضرعوا، ولكنهم بدل أن يتضرعوا إليه جل وعلا، وأن ينيبوا إليه، وأن يرجعوا إليه، إذا بقلوبهم قاسية معرضة غافلة لا تدرك نواميس هذه الحياة وما يجريه الله تبارك وتعالى فيها من سنة ماضية، فبسبب ذلك وقعوا في الهلاك والعياذ بالله، وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون.
ولذلك فإن المؤمن حينما يبتلى بشيء من هذه الابتلاءات عليه أن يقف هذه الوقفات: في معاملاته المالية لينظر في فشو الربا الذي هو حرب بين العبد وربه، في إتيان كثير من المعاملات المالية المحرمة، على المستوى الأخلاقي هناك إعراض، وينبغي للمسلمين جميعا في أوطانهم أن ينتبهوا إلى مثل هذه اللفتات؛ هناك إعراض عن أخلاق هذا الدين وقيمه، في قضايا المرأة، في فشو التبرج على سبيل المثال، في انتشار الفواحش، وقد توعدنا الله تبارك وتعالى أنه ما من مجتمع تفشو فيه الفواحش إلا أصابهم الله عز وجل بما لم يكن في من سبقهم من الأوبئة والأمراض.
ولا يخفى على أحد أن كثيرا من مجتمعات المسلمين فرطت اليوم في تحصين مجتمعاتها من مثل هذه الأمراض الخلقية، وعادت تنظر إلى انتشار مظاهر الانحلال الأخلاقي على أنه أمر مألوف مستساغ مقبول، لا ينكر أحد ذلك، وإذا أنكر أحد ذلك فإنه في الغالب أيضا لا يلتفت إليه.
فهذه الآيات في الابتلاءات التي يبتلينا بها ربنا تبارك وتعالى هي نذر تستدعي منا المراجعة، وتستدعي منا الوقفة الصادقة. فربنا تبارك وتعالى قص علينا في كتابه الكريم ما حصل لأمم قبلنا من استحقاق سخطه، ومما أصابهم من عذاب أليم ومن عقوبة منه جل وعلا، فقال: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: 79].
فالواجب علينا اليوم أيضا أن ننتبه إلى هذه القضايا: أن نجتنب كل أنواع الفواحش والإثم والبغي والعدوان ووجوه الفساد، وأن نأخذ العبرة والعظة من مثل هذه الحالات، وأن نعود إلى ربنا تبارك وتعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾؛ أن نتضرع إلى ربنا جل وعلا مخبتين صادقين خاشعين تائبين منيبين إليه بالاستغفار.
والله عز وجل أيضا يقول في كتابه الكريم: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: 33]. فالواجب أن نتوب إلى ربنا تبارك وتعالى، وأن تكون هذه التوبة توبة صحيحة صادقة، لا نقتصر فيها على مجرد ألفاظ بالألسن، وإنما نراجع فيها حساباتنا، نتناهى فيها عن المنكر، ونترك هذه المنكرات، ونسعى إلى الصلاح والإصلاح لخير أنفسنا ولخير مجتمعاتنا ولخير أوطاننا.
فهذا من معاني التضرع إليه: أن نكثر أيضا من ذكره، وأن نحيي هذه القلوب، وأن نجأر إليه بالدعاء. هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ بالله جل وعلا من هذه الأسقام والأوبئة؛ كان يستعيذ من البرص والجذام والجنون ومن سيء الأسقام، وكان كثير الذكر لربه تبارك وتعالى، ما كانت تلوح له بارقة مما يحصل من تغير في الأحوال إلا وكان يفزع إلى الصلاة، ويستعين بالله عز وجل، ويفزع إلى الذكر والدعاء، ما كان يستخف بمثل هذه الحوادث، ولا كان أصحابه رضوان الله تعالى عليهم يستخفون بمثل هذه الابتلاءات، بل كانوا يواجهونها بما تستدعيه من إخبات إلى الله تبارك وتعالى وإنابة إليه، وإكثار من الاستغفار والذكر والدعاء، والتناصح فيما بينهم بالحق والتواصي بالحق والتواصي بالصبر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولا يزعمن زاعم بأن مثل هذا الوباء إنما انتشر لأسباب مادية معلومة في مختلف أقطار العالم؛ فقد تقدم أننا ننظر إلى مثل هذه الحوادث التي تحصل أنها من حكمة الله عز وجل في خلقه؛ فهو جل وعلا الذي يدبر هذه الحياة، هو الذي يدبر هذا الكون بكل ما فيه وبكل ما يحصل فيه، وهو القادر أن يغير ما فيه، هو القادر على كل شيء سبحانه وتعالى. ولذلك فإننا نلجأ إليه سبحانه وتعالى دفعا لهذا البلاء، ومراجعة لأنفسنا، وتصحيحا وإصلاحا لأوضاعنا، وتسببا فيما نستمطر به رحمته سبحانه وتعالى. وفي هذه الأدلة القرآنية كفاية إن شاء الله تعالى.
والله تعالى أعلم.