⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الجواب بما أننا ندخل إلى هذا الموضوع من جانبه الإيماني أولًا، فالذي ينبغي للمسلم أن يعتقده ما بيّنه ربنا جل وعلا في كتابه الكريم حينما قال: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ نعم، هو مولانا، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
وربنا تبارك وتعالى بيّن في كتابه الكريم أن هذه الحياة الدنيا هي دار ابتلاء، فقال سبحانه: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾، وقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ وهو العزيز الغفور.
فما من شيء يقع في هذا الكون إلا وهو بتدبير من المولى الحكيم المهيمن المدبِّر الخبير السميع البصير، والمسلم عليه أن ينطلق من أسس إيمانه في تفسيره لهذه الأحداث من خير أو شر، التي تصيبه أو يمر بها أو تمر به، وهذا يبعث في نفسه الطمأنينة؛ فما من شيء إلا وهو في ملكوت الله تبارك وتعالى، وهو يوقن أن الله تعالى لطيف بعباده، إنه رحيم، غفور، خبير، بصير، هو الذي يهيئ الأسباب، هو الذي يبتلي العباد، هو الذي يمتحنهم بالشدة ثم يفرج عنهم باليسر، هو الذي يصيبهم بالبأساء ثم يرفع عنهم البأس والبلاء.
وإن الله تبارك وتعالى ينوع على عباده لمقاصد يريدها منهم، وعلى المكلَّف حينئذ أن يبحث عن هذه المقاصد؛ فعليه أن يشكر ربه تبارك وتعالى على النعم التي افتقدها ولم يكن يدرك مقدارها حينما كانت أمرًا طبيعيًّا معتادًا عليه، وعليه أن يحمل نفسه على الصبر على البلاء، فأخلاق الناس تمتحن في أمثال المصاعب والأزمات التي تمر بالإنسانية، وأظهر ما يحتاج إليه استجابةً لما أمره به ربه تبارك وتعالى إزاء هذه المِحن: أن يصبر عليها، وأن يتفكّر في آياتها وعِبَرها، عليه أن يتهم نفسه بالتقصير، وأن يبحث في الأسباب التي دعت إلى حصول مثل هذه المِحن ونزول هذه البلاءات، وما أكثر البلاءات التي تصيب هذا الإنسان بما كسبت يداه؛ فعليه أن يعترف بذلك، وأن يعود إلى رشده، وأن يتوب إلى ربه تبارك وتعالى مما قارفته يداه، مما أحدثه في هذا الكون عبثًا وفسادًا.
ولذلك فإنه لا تعارض –وهذا يجيب عن سؤالك– لا تعارض بين أن يوقن أنه ما من شيء يحصل في هذا الكون إلا وهو بتدبير من الخالق البصير الحكيم، وأن هناك أسبابًا يعلمها أو يجهلها وراء ما يحصل له في هذه الحياة، لكنه مع ذلك كله فإنه يوقن أن ربه تبارك وتعالى لطيف كريم رحيم، فعليه أن يأخذ بالأسباب التي تدعوه إلى استمطار رحمات ربه جل وعلا عليه، وأن يستبشر طالما أنه في كنف رب كريم أن الفرج قريب.
… فهذا هو الجانب الإيماني، وهو لا يتعارض أبدًا مع أن يكون الإنسان سببًا في ما يصيب هذه الحياة من حوادث ومصاعب وكوارث، بل الواجب على المسلم أن يتهم نفسه بالتقصير مع سعيه إلى أن يبحث عن الأسباب بكل أنواعها؛ فقد تكون أسبابًا إيمانية، أو أسبابًا مادية، أو أسبابًا خُلُقية، وما أكثر ما تعاني منه الإنسانية اليوم في كل هذه الوجوه.