⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هي من أوثق الأسباب الداعية إلى الخروج من هذه المحنة، نعم، فقد ثبت للعالم أجمع أن الأمر كله بيد الله تبارك وتعالى، هو الذي يصرف هذه الأسباب، نعم، هو الذي يأذن بأمر، يأذن بانفراج، أو هو الذي يبتلي عباده بشيء من الضيق والكرب، نعم، فلا ريب أن من أوثق عرى الأسباب التي تعين المؤمنين على تخطي هذه الكروب أن يوثقوا صلتهم بالله تبارك وتعالى، نعم.
ولا يعني هذا بحال من الأحوال، ولم يدعُ أحد من أهل العلم المعتد بقولهم إلى أن ينقطع الناس إلى هذا الجانب، ثم يرموا بعد ذلك بأنفسهم في مهاوي ما يمكن أن يوقعهم في الأمراض والأوبئة، لم يقل بذلك علماء الإسلام، من قال بذلك فإنما أوتي من قبل جهله لا من قبل العلم، وإنما الإيمان يدعو إلى الأخذ بكل الأسباب: الأسباب الإيمانية، والأسباب الروحية والخلقية، مع الأسباب العلمية الداعية إلى البحث والاجتهاد والنظر ومحاولة اكتشاف العلاج واكتشاف اللقاحات، نعم، والأخذ بأسباب الوقاية.
هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «فِرَّ مِنَ المَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الأَسَدِ»، نعم، لا يرد هائم على مُصِحٍّ، ويقول: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ فِي أَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوهَا، وَإِذَا كَانَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا»، بالروايات الواردة، وهو عليه الصلاة والسلام أثبت المؤمنين إيمانا وأرْسَخُ عقيدة، ومع ذلك كان يتداوى، وقال: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُنْزِلْ دَاءً إِلَّا وَأَنْزَلَ لَهُ دَوَاءً»، نعم.
أُتي الناس من قبل الجهل.
ذكر الحافظ ابن حجر في مناسبة لا داعي للإطالة فيها، لكنه قال: حينما ظهر الطاعون في مصر، فكان أول ما تداعى الناس إلى الاجتماع للخروج والدعاء كما يصنعون في الاستسقاء، نعم، واعترض بعض أهل العلم على صنيعهم ذلك، إذ كانوا قد أمروهم أيضا بالتباعد ولزوم البيوت والامتناع عن الذهاب إلى الجُمع والجماعات، لكن هؤلاء ظنوا بأن الضراعة إلى الله عز وجل باجتماع وتكثير عدد هو الأَدعى إلى الإجابة، نعم، يقول: فكثر الموت فيهم بعد خروجهم ذلك.
ثم ذكر هو بنفسه أنه حصلت حادثة، يعني ذكر عن طاعون في مصر، ثم طاعون في دمشق، ثم طاعون في مصر شهده هو، نعم، إن لم تخنِّي الذاكرة قال: إنه حصل في عام ثلاثٍ وستين وثمان مئة، قال: فتنادى الناس وصاموا لثلاثة أيام كما يفعلون في الاستسقاء، نعم، ثم خرجوا مجتمعين، فما انقضى ذلك الشهر إلا وكانوا يعدون من الموتى ألفا، نعم، في كل يوم، في كل يوم، وكانوا قبل ذلك لا يعدون أكثر من أربعين ميتا في اليوم، انتشر فيهم المرض.
فلذلك تجد أن أهل العلم الراسخين في العلم يتنبهون إلى مثل هذه الخفايا، يدعون إلى الأخذ بالأسباب الإيمانية والروحية وتوثيق الصلة بالله تبارك وتعالى، وينهون في الوقت نفسه عن إلقاء النفس إلى مَهاوي التهلكة، نعم، فيوسِّعون بقدر ما يتسع الفقه الإسلامي، ويقدِّمون الأولويات الداعية إلى حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ الأمن والسِّلم؛ لأن في هذا الدين فسحة، ولأن أحكامه تتسع لمثل هذه الأسباب الداعية إلى الوقاية، نعم.
أما أن يُظنَّ ظانٌّ بأن الدعوة إلى مراجعة النفس إيمانيا، وتوثيق الصلة بالله تبارك وتعالى، والإقبال عليه، والتصدق، والضراعة، أنها تعني نفي الأخذ بأسباب الوقاية المادية أو الأخذ بأسباب العلاج والتداوي العلمية والطبية والبحثية، فهذا إنما أوتي من قبل فهمه أو ظنه، وإلا فإن هذا الدين كما تقدم في هذه الأدلة من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تدعو إلى أسباب نعرفها نحن اليوم بالطب الوقائي، وبكيفية التعامل مع الطواعين والأوبئة التي تنتشر في الناس بأسباب وقائية وبأسباب علاجية واضحة، جميل، فلا مجال إذا لمحاولة المزايدة على ما يقوله أهل العلم في هذا الباب، والله تعالى أعلم.