⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فثمَّ فارق بين أمرين: بين إيمان بالغيب، وكلمة الغيب لها مدلول واسع، ومن الإيمان بالغيب الإيمان بقدرة الله المطلقة، وأن الله يصرف الأمور كما يشاء.
عندما يريد أن يرتب المسببات على الأسباب فإنها تأتي متناسقة مع أسبابها، وعندما يريد أن يقطع بين المسببات والأسباب فإنه يتم هذا القطع بحيث إن الأسباب لا تفضي أحياناً إلى المسببات، وقد تكون المسببات من غير أسبابها الطبيعية المعهودة، وكل ذلك إنما يرجع إلى قدرة الله سبحانه وتعالى الذي يخلق ما يشاء ويحكم ما يريد، لا معقِّب لحكمه، ولا راد لقضائه، ولا تبديل لكلماته.
وإن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]. هذا هو شأن الله سبحانه وتعالى الذي يختلف عن شأن الخلق، ومعنى ذلك أن شأن الله سبحانه لا يرتبط بالأسباب والمسببات المعروفة، وإنما ذلك أمر خارج عن معقول البشر، خارج عن مقدور إدراك هذه الأفهام؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو وراء الأسباب والمسببات، هو الذي جعل هذه الأسباب مفضية إلى تلكم المسببات، وهو الذي يجعل هذه الأسباب –عندما يشاء– تتعرقل حتى لا تفضي إلى المسببات، وهو الذي يجعل تلكم المسببات تخرج من غير أسبابها الطبيعية المعهودة.
فإذاً هنالك فرق بين اثنين: بين من يؤمن بالغيب –والإيمان بالغيب هو نقطة الافتراق بين طائفتين من الناس–: طائفة تنحبس في مضيق المادة، وتتقوقع في هذا المضيق، بحيث لا تخرج بقولها عن عالم المادة، هي تنظر كلَّ شيء بمقياس مادي، وترتِّب النتائج بحسب المقدمات المعهودة، فلا تعرف نتائج إلا لمقدمات معهودة، هذه الطائفة كما قلت هي بعيدة عن إدراك الحقائق الإيمانية؛ لأنها حُرمت نعمة الإيمان، بحبسها في المضيق المادي.
بينما طائفة أخرى أدركت أن وراء هذه المادة قدرةً، قدرةً خارقةً للعادة، قدرةً تصرِّف الوجود كله تصريفاً عجيباً دقيقاً رتيباً. فإذا عندما يؤمن الإنسان بأن قدرة الله تعالى قدرة مطلقة لا تقف عند الحدود، ولا يمكن أن تُقاس بالمألوف، عندما يدرك الإنسان ذلك فإنه –ولا ريب– لا يستعصي على عقله أن يتقبل بعض الأشياء ولو جاءت من طرق آحادية، ولكن من غير قطع بها.
هنالك فرق بين أن يقطع الإنسان بأن هذا الشيء واقع، وبين أن يقول بإمكان وقوعه ويرجِّح أحياناً وقوعه؛ فالقطع يقتضي بطبيعة الحال عدم احتمال العكس، بينما الترجيح إنما هو ترجيح لجانب على جانب مع احتمال أن يكون المرجوح هو الواقع لا الراجح، نعم. فلا بد من فهم أن هنالك فرقاً ما بين الأمرين.
معنى ذلك أن ما ورد في تلك الروايات متقبَّل محتمل، نحن لا نقطع بذلك؛ لأن الروايات لم تصل إلى درجة التواتر، ولكن مع ذلك لا نرد ذلك؛ لأننا ندرك أن الله سبحانه وتعالى بيده ملكوت كل شيء، نعم.