⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نحن نؤمن بأن الله سبحانه وتعالى عندما يريد خرق الأسباب والمسبَّبات، ذلك عندما يريد خرق العوائد لأي أحد فإن ذلك يتم، بَرّاً كان أو فاجراً، ولا نربط هذا الأمر بصلاح الشخص عند الله تعالى ومكانته عند الله، فإن ذلك بطبيعة الحال لا بد من أن يدلَّ عليه دليل، وإلا فلا يمكن أن يُقال على الإطلاق بأن من جرت على يديه خوارق العادات هو من الصالحين أو هو من البَرَرة، وإنما يُقاس عمله بمطابقته لشريعة الله تعالى أو مخالفته لها.
فإن كان مطابقاً لشريعة الله تعالى فذلك، وإن لم يكن مطابقاً لشريعة الله تعالى فإن تلك الخارقة التي ظهرت ليست له كرامة، وإنما هي استدراج بالنسبة إليه، بل هي قد تكون إهانة؛ لأن الله سبحانه وتعالى أراد أن يعرِّفه بأن الأمر كله بيد الله، ولكن مع ذلك لم يستلهم هذه الحقيقة كما يجب عليه أن يستلهمها من خلال مشاهدته لهذا الواقع الذي أجراه الله تعالى على يديه، فهذه إهانة بالنسبة إليه.
ولكن مع هذا كله ربط الناس الصلاح والبر والاستقامة بخوارق العادات، ولذلك أخذوا يوسِّعون هذه الدائرة، ويختلقون من الإفك ما لا يتصوَّره عقل، وما لا يقبله شرع، يأتون بالعجب العجاب من الإفك، كما قرأت قبل سنين كثيرة، قبل نحو خمسين عاماً، في أحد الكتب عن أحد من الناس الذين يُوصَفون بالكرامة قرأت أمراً عجباً، بحيث كتب الكاتب: ولما كانت حياته حياة الرسل والملائكة المقرَّبين كانت تتجلَّى له الأشياء على حقائقها، ومعرفة الشقي والسعيد، ومعرفة الآجال ومداها، وكان تزوره الملائكة والأموات والأنبياء يقظة، ويستمد منهم المدد.
هذا كلام بعيد عن الواقع، بعيد عن العقل، وبعيد عن الشرع، حسبنا أن النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو أرفع الناس قدراً ومنزلة لا يعلم السعداء والأشقياء إلا أن يوحَى إليه، فكيف بمن لا يوحى إليه، كيف له أن يعرف الشقي والسعيد وأن يميِّز بينهما؟ وكيف له أن يعرف الآجال ومداها؟ فإن هذا من دعاوى الغيب، والله تعالى يقول: ﴿لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ۚ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: 65]، وقد أُخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه أنه لا يعلم الغيب، بل أُمِر أن يخبر بهذا عندما قال له: ﴿قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: 188].
فهذه من الأمور التي لا يقبلها العقل، ولا يقبلها الشرع، هي مرفوضة عقلاً وشرعاً، فإذاً لا بد من أن نقف وقفة حازمة أمام هذه الخوارق المدَّعاة عند هؤلاء الناس، هذه لا تدل على الصلاح، فاعمال البشر إنما تُقاس بمقاييس الحق التي أنزلها الله، بعرضها على كتاب الله، وعرضها على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندما تكون منسجمة مع الكتاب العزيز ومع السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام عندئذ نحكم لها بأنها أعمال صحيحة، وأن صاحبها –حسب الظاهر– هو على استقامة وبر وتقوى، نعم.
أما عندما تكون مخالِفة لكتاب الله –الذي يبول في يديه، أو الذي يجلس عارياً أمام الناس، أو يمشي بينهم عارياً، أو يريد أن يتحدَّث عن التوحيد فيأتي بالشرك والعياذ بالله– فهذا كله مما يجب أن يُقصى عن ساحة الكرامة، وألا يُصدَّق بما يُنسب إلى هؤلاء من كرامة، وأن يُعتبَر هذا من إهانة الكرامة ومن إهانة أهل الكرامة أن تُذكر هذه التي يتصوَّرونها كرامات وينسبونها إلى هؤلاء الحمقى والمجانين، نعم.
فالفرق واضح، نعم، والحق أبلج، والباطل لَجَجٌ، نعم.