⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الأنبياء وقرابة الأنبياء الصالحون، وكل أولياء الله تعالى الصالحين إنما يبرؤون من هذا، ولا يرضون بهذا أبدًا. فالرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، وهو أشرف الخلق، وأرفع الناس قدرًا، وأجلُّ شأنًا، وأقربهم من الله سبحانه وتعالى، هو الذي اصطفاه، ووصفه، وهو سبحانه وتعالى أصدق الواصفين، بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، ومع ذلك يأمره الله سبحانه وتعالى أن يعلن للناس بأنه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، فالله تعالى يقول: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ، وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ، وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ، إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ [الأعراف: 188].
فالنبي صلى الله عليه وسلم على مكانته الرفيعة وقدره العالي لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، وإذا كان النبي عليه أفضل الصلاة والسلام بهذا الحال لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرَّه، فكيف بغيره عليه أفضل الصلاة والسلام؟ كيف يمكن لغيره صلوات الله وسلامه عليه أن يحقق لأحدٍ من الناس منفعةً، أو يدفع عنه مضرَّة، مع أن الأمر كله لله تعالى؟ النبي عليه أفضل الصلاة والسلام يقول له الله تبارك وتعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: 128]، الأمر كله إنما هو لله سبحانه وتعالى، ولا يملك الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام أن يُسعد أحدًا من الناس، أو أن يُشقي أحدًا من الناس، أو أن يُنقذ أحدًا من الناس من ضرٍّ ألمَّ به، إلا بحسب الأمور الطبيعية.
نعم، النبي صلى الله عليه وسلم يدعو للناس، وكونه هو يدعو لهم، مما يُرجى أن يحقق الله سبحانه وتعالى به منفعةً للذين يدعو لهم، ولكن لا يعني ذلك أنه بإمكانه أن يُنقذ أحدًا من الهلكة: لا هلكة الدنيا ولا هلكة الآخرة، المُنقِذ هو الله. النبي صلى الله عليه وسلم كغيره يدعو الله، ولا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، ففضلًا عن أن يكون يملك لغيره من الناس نفعًا وضرًّا، وإذا كان هذا شأن الرسول، فكيف بغيره، مع أن الناس كلهم مراتبهم دون مرتبة النبي صلى الله عليه وسلم، وأخفضُ قدرًا من الأنبياء، ومن الملائكة المقربين، ومن جميع خلق الله سبحانه وتعالى أجمعين؛ فكيف بغيره عليه أفضل الصلاة والسلام يمكن أن يكون شريكًا لله تعالى في الخلق أو في الأمر، في دفع الضر أو في تحقيق النفع؟ لا يمكن ذلك أبدًا.
ونحن نرى في كتاب الله تعالى النصوص الصريحة التي تدل على هذا، فالله تعالى يقول: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قل: الله، ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ، لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا، قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ، أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ، أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ، قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: 16].
والملائكة الكرام المقرَّبون كيف وصفهم الله تعالى؟ وصفهم بما يدل على أنهم لا يملكون شيئًا من تحقيق المنفعة لأحدٍ ولا دفع المضرة، فالله تعالى يقول: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ، وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ، وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى، وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ، فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ، كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 26-29].
هكذا يقول الله تعالى في ملائكته المصطفين الأخيار المقرَّبين، فكيف بالناس يمكن لأحدٍ أن يملك لأحدٍ من الناس نفعًا أو يملك أن يدفع عنه ضرًّا، وكيف بالذين يتعلقون بالأموات، أولئك الذين يدعونهم من دون الله سبحانه وتعالى، ولو كانوا أنبياء، ولو كانوا أولياء، ولو كانوا مصطفين؟ ولكن مع ذلك هذا مما يُعتبر من الشِّركيّات، لأن الدعاء يجب أن يكون خالصًا لله، فالله علَّمنا أن نُفرده بالدعاء وبالاستعانة، ولا نستعين إلا إياه، فما لأحدٍ أن يستعين بغير الله تعالى.
نعم، الاستعانة مشروعة فيما جعل الله سبحانه وتعالى التعاونَ فيه من سنن هذه الحياة؛ الإنسان يمكن أن يستعين بأحدٍ من الناس ليحمل عنه حاجةً ثقلت عليه، يقول له: أَعِنِّي على هذا الحمل، أما أن يقول له: اجعلني قادرًا على حمله، فلا. وكذلك يمكن أن يستعين أحدٌ من الناس بأن يطلب منه قرضًا حسنًا، أو يطلب منه صدقةً من الصدقات، ولكن لا يعني ذلك أن يطلب منه بأن يُغنيه، إذ الغنى بيد الله تعالى وحده. كذلك يمكن أن يطلب أحدٌ من عباد الله الصالحين بأن يدعوَ له بالولد الصالح أو بالزوجة الصالحة، ولكن لا يمكن أن يقول له: ارْزُقْنِي ولدًا صالحًا، أو ارْزُقْنِي زوجةً صالحة، فإن ذلك من شأن الله تبارك وتعالى وحده، لا يُدعى من دون الله تعالى.