مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

الصلاة تنهى عن الفحشاء

ما حقيقة كون الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وإذا وُجد في المصلي جرأة على الفواحش والمنكرات فهل يدل ذلك على خلل ما في صلاته؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
من المعلوم أن تعليل مشروعية الصلاة بكونها تنهى عن الفحشاء والمنكر دليل قاطع على أن الصلاة إن أُدِّيَت أداءً صحيحًا على الوجه الشرعي كانت موصلةً إلى هذه الغاية، وكانت مانعةً للإنسان من الوقوع في الفحشاء والمنكر. وإنما يجب أن نعرف ما هي الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، إذ ليست كل صلاة صلاة، إذ ليست كل صلاة صلاة، إنما هناك صلاة تؤدى على طريق العبادة، وهناك صلاة تؤدى على طريق العادة. الصلاة التي تؤدى على وجه العبادة لا بد من أن تكون مكملةً لروحها وهيكلها، لا بد أن يكون جسمها سليمًا، وأن تكون روحها في عافية، هذه الصلاة هي التي تُؤَدَّى على الوجه الشرعي مع الخشوع فيها واستحضار ما يقوله المصلي مما يتلوه من كتاب الله أو مما يأتي به من ذكر الله. فالمصلي يُطالَب بأن يكون ما يتلوه بلسانه أسبق إلى ذهنه من لفظه إلى لسانه، أي يكون المعنى أسبق إلى ذهنه، بحيث يستحضر المعنى استحضارًا تامًّا، فعندما ينطق بالكلمة يكون ناطقًا بها مع رسوخ معناها في الذهن. فمن كان كذلك فإنه عندما يكبر تكبيرة الإحرام يرى أن هذه التكبيرة تفيض مشاعر في نفسه بحيث تعرِّفه أن الكبرياء لله وحده، فيحس بالتضاؤل والتواضع، فلا يستعلي على أحد. إن كان هو ممن أوتي في هذه الحياة الدنيا مظهرًا من مظاهر العلو والرفعة فيها، فإنه يتواضع ويتضامن بمجرد أن ينطق بتكبيرة الإحرام، إذ يشعر بأن الكبرياء لله تعالى وحده، فليس له أن يتطاول على الله فيما هو خصيصة من خصائصه، وإنما عليه أن يتواضع لله تعالى، وأن يتواضع أيضًا لعباد الله تعالى. وإن كان – على العكس من ذلك – فقيرًا أو ضعيفًا، فإنه بمجرد ما ينطق بتكبيرة الإحرام يحس بأن تواضعه يجب أن يُحصَر في الله، وأن لا يتواضع لعباد الله تعالى إلا من خلال تواضعٍ لله، لا لأجل عُلُوِّهم ورفعتهم وقدرهم بحسب مقاييس أهل الدنيا، فإن ذلك لا قيمة له، وهذا مما يحرره من التعلق بغير الله تعالى، فلا يطأطئ رأسه إلا لله، ولا يحني ظهره إلا لله، ولا يَذِلُّ في أي موقف من المواقف إلا لله، لأن الناس كلهم متساويةٌ أقلامهم بين يدي الله، الكل عباده، ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: 93-95]. وهذا مما يجعل الناس متساوين جميعًا، لا يستعلي أحد على أحد لسبب أو لآخر، ولا يذل أحدٌ لأحد أيضًا، لأن الذي يُذَلُّ له يفوقه من ناحية الغنى أو من ناحية الرتبة أو من ناحية النَّسَب والحَسَب، والناس جميعًا مقاماتهم واحدة إلا بقدر ما يتفاضلون بتقوى الله، وتقوى الله تأبى على المتقي أن يتعالى وأن يستكبر في الأرض، إذ العلو والاستكبار ليس من شأن المتقين. وكذلك إذا استعاذ بالله من الشيطان الرجيم ذكَّرته الاستعاذةُ الحربَ الضروس التي بينه وبين الشيطان، ليأخذ أهبته لمواجهة هذا الشيطان بعتاده، فلا يمكِّن الشيطان أن يؤثر عليه وأن يغويه ويرديه كما يريد ويتمنى. وعندما ينطق بالبسملة فإن بسمته هذه تذكِّره أن كل شيء لا قيمة له إلا إذا كان لله؛ فبسم الله يدخل في صلاة، وبسم الله يقرأ، وبسم الله يعمل ما يعمل. وإذا تلا قول الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] استشعر نعم الله العظيمة وجلاله وكبرياءه، فإن كل ما في الكون إنما هو نعم أنعمها الله تعالى على خلقه، والكون كله هو ملك لله سبحانه وتعالى، والله تعالى متصف بكل المحامد، ومن حيث إنه تعالى أنعم على عباده بهذه النعم العظيمة، ومن حيث إنه تعالى متصف بجميع المحامد، كان الحمد له وحده. ثم مع هذا أيضًا عندما يعرف أن الذي هو واقف بين يديه ربُّ العالمين يدرك عِظَم الأمر، إذ هذه الربوبية شاملة لهذا الوجود، ما من ذرة في الوجود إلا وهي مشمولة بربوبيته سبحانه وتعالى، واقعة تحت سيطرة ربوبيته عز وجل، كل ذرة من ذرات الكون، لا يمكن أن ينفلت شيء من هذا الوجود عن سلطان الله سبحانه وتعالى، فالكون كله علويه وسفليه، ملكه وملكوته، ظاهره وباطنه، روحيه وماديه، كله واقع تحت أمر الله تعالى وسلطان الله تعالى، ينفذ فيه أمر الله. وهذا مما يجعل الإنسان يتواضع لجلال الله ويحس بهيبة الله تعالى في نفسه، ولكن مع ذلك يُلطِّف الموقف حتى لا تستولي الهيبة على ذهن الإنسان استيلاءً يذهب برجائه فضلَ الله سبحانه، وذلك من خلال وصف الله تعالى بعد ذلك بقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 3]، ثم يأتي الوصف بأنه ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4]، وهذا الوصف بطبيعة الحال يجعل الإنسان يحس بعظمة الموقف لأنه واقف بين يدي الله في هذه الساعة، وسوف يقف بين يديه يوم القيامة، ولا يدري هل ستعود لحظة يُسمَح له فيها بالوقوف بين يديه كما وقف في هذه الساعة أو لا، ولكنه سيقف قطعًا بين يدي الله تعالى يوم القيامة، وهذا مما يورثه خشية الله تعالى ورجاءه. ولذلك جاء بعد ذلك قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]، إذ النفس في مثل هذا الموقف تنساق إلى الخضوع لله والانقياد لحكمه والإذعان لطاعته، ومن المعلوم أن العبادة هنا حصرًا في الله تعالى، لا عبادة إلا لله؛ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ أي لا نعبد إلا إياك، و﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أي لا نستعين إلا إياك، ومعنى ذلك أن الإنسان عليه أن يتحرر من العبودية لغير الله، فكما أن العبادة لا تكون إلا لله، كذلك الاستعانة الحقيقية لا تكون إلا بالله تعالى. ونجد أنه مما يُلاحَظ أن تقديم العبادة إلى الله تعالى هنا كان بصيغة جماعية لا بصيغة فردية، وهو ما يؤذن بالترابط بين المؤمنين، ثم بعد ذلك يأتي قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عليهم وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 6-7]، فيشعر المصلي بأنه بين طريقين: طريقٍ يؤدي إلى رضوان الله تعالى، وطريقٍ يؤدي إلى سخطه؛ هذا الطريق الذي يؤدي إلى رضوان الله هو الطريق المستقيم، واضح لا غموض فيه، مستقيم لا عوج به، لا يتشعب ميمنةً وميسرة، وإنما هو مثل الخط المستقيم الذي لا ينحرف قط إلى أي جهة من الجهات، وهذا صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا. وهذا مما يجعله يحرص على أن يكون مع هؤلاء، والصراط الآخر، أو الطريق الآخر، طريق الذين غضب الله عليهم والذين ضلوا عن هدى الله سبحانه وتعالى، وهؤلاء طريقهم تنحرف بهم إلى مسالك متعددة وشُعَب مختلفة، كل واحدة منها تؤدي إلى سخط الله سبحانه، فلذلك كان على الإنسان أن يحرص دائمًا على أن يكون منسجمًا مع أمر الله تعالى، أي واقفًا عند حدوده. وهكذا ما يأتيه الإنسان في صلاةٍ من ذكر، أو ما يتلوه، ما يأتي به من تسبيح أو تحميد أو تكبير، كل ذلك إنما يورثه خشية الله ويصله بالله، ولذلك عندما ينفلت من صلاته يكون قد انفلت وقد تطهر من هذه الأدران وتخلص منها، وعندما يمارس الحياة ويصيبه غبارها ويتأثر بأكدارها سرعان ما يذكره المؤذن مرة أخرى برجوعه إلى هذا المنهل الرقراق الصافي ليغتسل به وليستقي به من جديد، وهكذا يظل الإنسان في طُهرٍ مستمر وإيمانٍ دائم وعلى اتصال مع الله سبحانه وتعالى. وهذا ما ضربه النبي صلى الله عليه وسلم مثلًا من واقع حياة الناس وطبيعة هذه الحياة، عندما يقول عليه أفضل الصلاة والسلام: «أرأيتم لو أن على باب أحدكم نهرًا جاريًا غمرًا، ينغمس فيه كل يوم وليلة خمس مرات، أيبقى من درنه شيء؟» قالوا: لا يا رسول الله. قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس». النبي عليه أفضل الصلاة والسلام أراد تقريبًا لأفهام الناس، فضرب هذا المثل بحيث صوَّر الصلاة كالنهر الجاري، هذا مع الفارق، لأن النهر إنما ينظف ظاهر البدن، والصلاة إنما تنظف وتطهر باطن الروح، فلذلك كان الفرق بينهما كبيرًا، ولكن مهما كان فإن هذا الحديث يدل على عظم شأن الصلاة وأثرها في حياة المصلي. وهذا عندما يؤدي الصلاة على النحو الشرعي، بحيث يكون مستكملًا لروحها – وروحها الخشوع كما ذكرنا – وفي نفس الوقت لا بد من أن يكون مستكملًا لجسدها، وجسدها ما يأتي به من حركات وسكنات، ما يأتي به من ركوع وسجود وقيام وقعود، على أن يكون ذلك بطريقة ليس فيها أي تلاعب، بحيث لا يلتفت ميمنةً وميسرة، أو يكون مشغولًا في صلاته باللعب بثيابه أو اللعب بشيء من جسده.
👤أحمد بن حمد الخليلي
📅 ٣١‏/٥‏/٢٠١١👁 2 مشاهدة
🎬

الصلاة - الشيخ أحمد الخليلي - ليلة 22 ربيع الأول 1431

مسائل متنوعة في الصلاة

✦ فتاوى مشابهة

الصلاة لا تنهى عن الفحشاء

3 👁

في قوله تعالى: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، كثير من الناس يقولون إننا نصلي ومع ذلك نفعل الفواحش ولا تنهانا الصلاة، فما الأسباب، وهل يكفي مجرد دخول المسجد ليعتبر الإنسان مصلياً؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٣١‏/٥‏/٢٠١١

لماذا لا تؤثر الصلاة؟

2 👁

لماذا لا تظهر آثار الصلاة على سلوك كثير من المصلين مع أن الله يقول إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

حديث الصلاة تنهى عن الفحشاء

0 👁

هل يصح حديث «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له» ونسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟

👤ماجد بن محمد الكندي
٦‏/١‏/٢٠٢٤

ضعف أثر الصلاة على السلوك

3 👁

لماذا لا تظهر على كثير من المصلين آثار الصلاة التي تنهاهم عن الفحشاء والمنكر، فيدخلون ويخرجون منها دون تغير في السلوك والأخلاق؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٠‏/٣‏/٢٠١٧

حديث (فلا صلاة له)

2 👁

ما صحة حديث: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له، وما معناه؟

👤ماجد بن محمد الكندي
١‏/٣‏/٢٠٢٦

تدين لا يردع عن المعاصي

2 👁

كيف يتواءم حال المسلم الذي يصلي ويصوم ويحافظ على الفرائض ومع ذلك يشتم وينم ويغتاب ويكذب في المجالس، وهل هو في خطر مع قوله تعالى إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٣‏/٦‏/٢٠١٧