⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ». هذه الغرابة قد تُفسر بأكثر من تفسير؛ قد تُفسر بأن الإسلام غريب من حيث إنه كان مرفوضًا من قبل الدهماء في القرون السابقة عندما أشرقت شمسه، ثم تغلب بعد ذلك على المشركين حتى شاع نوره في أرجاء الأرض وملأ جنبات الوجود.
وكذلك هو الآن غريب من حيث إنه مستنكر، ومن حيث إن تطبيق الإسلام عاد شيئًا أجنبيًّا حتى عند المسلمين أنفسهم؛ إذ ربما كثير من المسلمين لا يستسيغون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويرون ذلك مصادرةً لحريات الناس وتحديًّا لإراداتهم، هذا ليس من الحقيقة في شيء، هذه صورة غير صحيحة لفهم الدين وفهم الإسلام. الإسلام جاء بالحق، الإسلام جاء ليقود الناس إلى الخير، لا ليترك الناس في همجية ويتركهم في فوضى، فالإسلام من هذه الناحية غريب.
ولكن قد نفسِّر الإسلام بأنه بدأ غريبًا من حيث إنه بدأ بصورة فيها ضعف، وفيها عدم انتشار، ولكنه تغلب على المشركين فانتشر، فكان أمره غريبًا؛ إذ انطلق –من حسب ما يبدو رأي العين– من نقطة ضعف، وهي النقطة التي كان عليها المسلمون، وإنما قلت: "من رأي العين"؛ لأن هذا هو الذي يظهر للناس، ولا يدرك سواد الناس أن وراء هذه الدعوة من يدبر أمرها ومن يسوق خيرها إلى الناس حتى تنتشر في أرجاء الأرض، فالله سبحانه وتعالى هو الذي يصرف أمر هذه الدعوة، وهو الذي يحمي هذا الدين، كما قال عز من قائل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]، وهو الذي وعد سبحانه وتعالى أن يظهر هذا الدين على كل الدين رغم التحديات، ورغم إرادة الكفرة وإرادة المشركين أن يصدوا عنه وأن يحولوا دون انتشاره: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 33]، وقد قال تعالى فيهم قبل ذلك: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: 32].
فكذلك الآن دعوة الإسلام أصبحت غريبة، ومع ذلك تُضايَق هذه المضايقة، ولكن ستتجلى هذه الغرابة –أي كونه أمرًا عجيبًا– من حيث التغلب على هذه المشكلات؛ فمهما كانت هذه المضايقة فإنما تزيد المؤمنين حماسًا وتقوِّي إرادتهم. هناك فرق بين شخص وآخر، بين أصحاب الإيمان الراسخ والإرادة القوية والهمة العالية، وبين ناس يعيشون على السطح من غير أن يتعمقوا في فهم الإسلام. فالله تعالى بيَّن حال أولئك عندما قال عز من قائل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ؛ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ؛ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ، ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: 11]، ويقول سبحانه وتعالى أيضًا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ، فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: 10]، هؤلاء هم يجعلون ما يصيبهم من قبل البشر كعذاب الله تعالى، حيث لا يبالون بعذاب الله، وإنما يبالون بهذه المصائب التي تأتي من قبل البشر، ويقول الله تعالى فيهم: ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ [العنكبوت: 10]، هكذا ينقلبون مع الأوضاع، يسيرون مع التيار أينما سار التيار.
ولكن أصحاب المبادئ الراسخة والإيمان القوي والإرادة القوية النافذة هؤلاء تزيدهم هذه المشكلات وهذه التحديات حماسًا، وقد أصاب الشاعر الذي قال:
«لله درُّ النائباتِ فإنها *** صَدًى للِّمامِ وسيقلُّ الأحرارُ»
«ما كنتِ إلا زُبْرَةً فاطبعي *** عني سِوى السيف وأطلقي الغِرارَا»
فهكذا الأحرار؛ يعني كلما لقوا من المشكلات ما لقوا كانت إرادتهم أقوى، وعزيمتهم أمضى، ولم يبالوا بهذه التحديات. فمهما عمل أولئك من محاولة التضييق على المسلمين حتى لا يطبقوا الإسلام، محاولة التضييق في قضية الحجاب، أو في أي ممارسة من ممارسات الإسلام كرفع الأذان وغير ذلك، فإن ذلك مما يذكي الحماس.
وأنا سمعت بأن الرئيس الفرنسي قال: بأن المسلمين يتعجلون، لينتظروا أربعين عامًا فإن فرنسا سيكون معظم أهلها مسلمين، أهل فرنسا سيكون معظمهم من المسلمين، هم يرون كيف ينتشر الإسلام، وكيف يُظهر الله تعالى هذا الدين، قال: ستكون الكلمة لهم وسيطبق في ذلك الوقت ما يريدون، معنى ذلك: يتركون الآن نتصرف كما نريد ونضيق كما نريد، وسيأتي اليوم الذي يظهرون هم ويطبقون ما يريدونه، محاولة تطويل هذه الأعوام محاولة تطويل، ولكن مهما كان نور الله تعالى ظاهر: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ، وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾.
وكما سمعنا أصوات العقلاء التي تنطلق من أفواههم تردد بأنه لا بد من الرجوع إلى قيم الإسلام، وكما ذكرنا أكثر من مرة بأن نيكسون نفسه قال هذا الكلام قبل وفاته، وكذلك بريجنسكي، وهناك من وضعوا النقاط على حروف هذه الناحية، وقالوا: بأنه لا بد من الانتفاع بقيم الإسلام وتعاليم الإسلام، وإلا فالطريق الذي يسيرون فيه إنما يسير بهم إلى الدمار والعياذ بالله...