⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أولًا لننتبه أننا لا زلنا في رمضان، ونحن في يوم مبارك من هذا الشهر المبارك، نحن في يوم الجمعة، ولعلنا نقترب من آخر ساعةٍ منه، وفي هذا الشهر المبارك فالفرص لازالت سانحة، فمن كان سابقًا بالخيرات أو كان مقتصدًا فعليه أن يزيد من اجتهاده، ولا يأمن مكر الله عز وجل فإن العبرة بالخواتيم، ومن كان ظالمًا لنفسه فليؤب نفسه بالتوبة، وليعلم أن الفرصة لازالت أمامه سانحة، ومن فضل الله تعالى على عباده أن توبة العبد الآيب في هذا الدين لا تحتاج إلى طقوس، كل ما تحتاج إليه انكسار قلب، ودمعة عين، ومعاهدة لله عز وجل الخالق على أن يعود عما مضى منه إلى ما قدَّم من سوء عمل، وأن يستغفره جل وعلا؛ فإن وفَّى بهذه الشروط قُبلت توبته، وفُتحت صفحة جديدة، وكُتب له أجر عمله السابق.
أما ما يتصل بما أشرتم إليه، فلا ريب أن للنفس إقبالًا وإدبارًا، وأن هناك مواسم للخير والطاعات تُقبل فيها النفس أكثر من غيرها، وهذا مما لا إشكال فيه، لكن الإشكال إن كان هذا الانحسار الذي ذكرتموه يؤدي بالمرء إلى أن يرتكب شيئًا من المخالفات، أو تفتر همته عن طاعة الله عز وجل فيتخلى عن شيء من الواجبات؛ أما إن كانت نفسه تضعف أحيانًا فلا يجد من البواعث التي تدفعه إلى مزيد من العمل وإلى الصفاء الروحي وإلى الإقبال على الله تعالى والأنس بذكره والأنس بتلاوة كتابه، لكنه غير مقصر، فلا يترك شيئًا من الواجبات، ولا يرتكب شيئًا من المحرمات، فهذا مما لا إشكال فيه، وهذا مما يعتري سائر الناس، كما في حديث حنظلة الذي ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حينما يكونون معه ويسمعون منه المواعظ يجدون من الإيمان ومن الصلة بالله تبارك وتعالى ما لا يجدونه إذا ما عافسوا الأهل والأولاد، وهنا قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قاله: «لو تدومون على ما تكونون عليه عندي لصافحتكم الملائكة، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة».
فإذا لا بد للمسلم أن يعلم أنه حتى في حال ضعف همته ليس له أن يترك شيئًا مما أوجبه الله تبارك وتعالى عليه، ولا أن يأتي شيئًا مما حُرِّم عليه، لكنه مع ذلك ينبغي له أن يوجد في نفسه الباعث، وأن يحملها على معالي الأمور، وأن يدفع بها إلى معالي الهمم والطموح فيما يتصل بعبادته لله تبارك وتعالى وتقربه إليه؛ لأنه بحاجة لمواجهة أهواء هذه الحياة الدنيا وشهواتها إلى هذا الزاد الروحي، وإلى تقوى الله سبحانه وتعالى حتى يتمكن من التغلب على هذه الأهواء والشهوات.
وعليه أن يغتنم هذه المواسم، فإن كان رمضان قد انقضى فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال فكأنما صام الدهر»، حتى لا ينقطع المرء عن الصيام، وحتى يحافظ على هذه الروحانيات التي تحصل عليها، فقد جاء هذا التوجيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صيام الست من شوال.
ثم ليستحضر أنه بانقضاء شهر رمضان ودخول شهر شوال فإننا ندخل في أشهر الحج العظام، والله تبارك وتعالى يقول: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾… فالمسلم يتقلب بين مواسم الطاعات هذه.
ثم إن من يعبده في رمضان هو حي لا يموت سبحانه، وأبوابه لا تُوصَد، فما أجمل أن يتجه المرء إلى ربه سبحانه وتعالى بعد الفرائض بما استطاع من نوافل، من صلوات في جوف الليل، ومن تبتل ودعاء لله تبارك وتعالى، ومن إكثار من صدقات، ومن إكثار من عمل الصالحات وصنائع المعروف والإحسان إلى الناس وصلة الرحم، وسائر صنوف الطاعات التي تُذكي في نفسه جذوة الإيمان وتبعث فيها الهمة إلى معالي الأمور وإلى مزيد من طاعة الله تبارك وتعالى.