⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.
لا ريب أن المسلم حينما يتعرّف على المكاسب التي تتحصل له من جراء أدائه لفريضة الصيام، ولهذه الأجواء الإيمانية والتجليات الربانية التي يدخل فيها هذا المسلم حال صيامه وقيامه، فإنه حينما يتعرّف على هذه المكاسب فإن ذلك يدفعه إلى المحافظة عليها وإلى المداومة على هذه المكاسب في سائر العام.
ولهذا كان لا بد بداية أن يفتّش المسلم في ثنايا نفسه: هل تحققت له معاني الصيام؟ هل تمكن من بلوغ درجة التقوى؟ هل كان في رمضان أقرب إلى الله سبحانه وتعالى بالتوبة والإنابة والاستغفار وفعل الصالحات؟ هل قرأ كتاب الله عز وجل وتدبّر فيه وتأمل في معانيه وكان القرآن الكريم أنيسه في لياليه وفي أيامه، أي في هذا الشهر الفضيل المبارك؟ هل لجأ إلى الله تعالى بالضراء والدعاء؟ هل سَمَتْ نفسه وزكت أخلاقه وتهذبت طباعه؟
فإنه إن عاد على نفسه بهذه الأسئلة ووجد أنه قد نال نصيبًا من كل هذه الوجوه فليحمد الله تعالى على ذلك، وإن وجد غير ذلك فلا تزال هناك فرصة سانحة فيما بقي من هذا الشهر الفضيل، في هذه السويعات القادمة، إلى أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى وأن يستغفر، وأن يجدّد الإيمان في نفسه، وأن يوقظ في ضميره الصلة الوثقى بالله تبارك وتعالى.
هذه هي المكاسب التي يتحصل عليها الصائم من صيامه، فهو بما يؤدي من فريضة الصيام وبما يجتهد فيه من القيام، ومن صلة الرحم، ومن صنوف الطاعات، ومن الجود ما يستطيع للفقراء والمساكين، ومن معايشته لأجواء تلاوة كتاب الله عز وجل آناء الليل وأطراف النهار، ومن خشيته وتبتّله لله سبحانه وتعالى، يجدّد في نفسه الإيمان.
وهذا التجديد للإيمان في القلب لا بد منه للمسلم في مسيرة حياته، لأن المسلم عُرضة للأهواء والشهوات والوساوس ولِما يمكن أن يبتعد به عن سواء الصراط ما لم يجدّد صلته بالله تبارك وتعالى ويحيي الدين في قلبه، ويوقظ في ضميره مراقبة الله سبحانه وتعالى، ويملأ قلبه حبًا لله عز وجل وخشيةً منه، ورغبةً فيما عنده ورهبةً مما أعدّه، فإنه إن لم يفعل ذلك يمكن أن ينحرف عن الصراط المستقيم.
ولهذا كان عليه أن يتعرّف على هذه المكاسب، حينما يتعرّف عليها فليحرص على أن يداوم عليها وأن يحافظ عليها، فلا ينقطع عن الصيام، نعم، ولهذا جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال فكأنما صام الدهر»، وورد أيضًا عنه صلى الله عليه وآله وسلم: «ولو علمتم ما في رمضان من فضل لتمنيتم أن يكون سنة»، وفي هذا إشارة إلى أنه لا ينبغي للمسلم أن يفرّط في أمر المستحب من الصيام مما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وليس له أن يهجر القرآن العظيم، عليه أن يكون محافظًا على كتاب الله عز وجل، تاليًا له، حريصًا على مقدار يتلوه في أيامه ولياليه سائر العام، بحيث ينتفع عِظاتٍ وعِبَرًا وذكرى وحِكَمًا وأحكامًا من كتاب الله عز وجل، فلا يقطع نفسه عن هذه الأنوار وعن هذه الهدايات.
ثم إنه في شهر الصيام لما تحققت له هذه المكاسب فلا سبيل له إلى أن يحافظ عليها إلا بإدراك حقيقة وجوده في هذه الحياة، نعم، وباعتباره سرعة انقضاء الأيام والليالي وأن عمره يفوت كما أن هذه الليالي والأيام قد انقضت سريعًا مصداقًا لقوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 184]، فإن عمره يكون كذلك أيضًا، فما العمر إلا سويعات.
حينما ينظر المرء إلى ما فات من هذا العمر سوف يجد أنها لحظة، أنها لحظة عابرة، فإن أحسن فيها وأصلح ما بينه وبين ربه جل وعلا وأدّى حقوق رب العباد وحقوق العباد عليه فليحمد الله تعالى، وليَشْكُر هذه النعمة التي أنعم الله عز وجل عليه، وليَدُمْ عليها، وإن وجد ما يسوؤه فليبادر، لأن العمر يفوت، والذي فات من لحظات حياة الإنسان لا يمكن أن يعود، لكن باب التوبة مفتوح، والله سبحانه وتعالى متصف بالرحمة والمغفرة، وهو جل وعلا التواب الرحيم، فليطرق باب التوبة، وليفتح صفحة جديدة مليئة بالصالحات والخيرات وأعمال البر والتقوى في حياته.
بذلك يحافظ على مكاسب رمضان، وبذلك أيضًا تتحقق له هذه المكاسب وينتفع منها في مسيرة حياته بأجمعها.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا إلى ذلك وأن يلطف بنا، إنه تعالى على كل شيء قدير.