⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم، وفهّمنا ما لم نفهم، واهدنا إلى الطريق الأقوم، إنك أنت العزيز الأكرم، وأنت الرب، وأنت الحكم.
أما بعد، فكما أننا في مطلع هذا الشهر المبارك عرجنا على ما فيه من عِظات وعِبَر متصلة بمضي الأيام والليالي، فها نحن اليوم نشهد آخر هذا الشهر، وفي سرعة انقضاء شهر رمضان المبارك – كما هو الحال في سرعة انقضاء عمر الإنسان – مُدَّكِرٌ للعاقل.
فينبغي للمسلم أن يقف عند هذه المحطات، وأن يعتبر في أيامه، وكيف يعمر حياته: هل يعمرها بالطاعات وما يبلغه الرِّضوان من الله تبارك وتعالى، أو أنه يمضي في هذه الحياة سُدى، لا يعرف هدفه وغايتَه، ولا يُلقي للحياة الآخرة رأسًا، ولا يرفع لها بالًا.
فينبغي للمسلم – وهو في آخر سُوَيعات من هذا الشهر الفضيل المبارك – أن يقف مع نفسه وقفةَ محاسبةٍ وادِّكارٍ ووعْيٍ وتعب.
ولئن كان قد فاته شيء بسبب التقصير أو غلبة الهوى والنفس، فإن في هذه الساعة خيرًا كبيرًا؛ فليُؤَنِّبْ نفسَه، وليتب إلى الله تبارك وتعالى، وليتُبْ إليه بالاستغفار، ويعقد العزم على أن يواصل الطاعة والصالحات.
نعم، أما ما تفضلتم بالسؤال عنه فهو مسألة بالغة الأهمية؛ لأن هذه العبادات التي أمرنا ربنا تبارك وتعالى بها لها مقاصد وغايات، وإن لم يتنبه المسلم لهذه الغايات والمقاصد فإن القدم يمكن أن تزل؛ إذ لا تلبث أن تخرج من رمضان بما فيه من طهر ونقاء وعبادة وإحسان، ثم تنكص النفس على عقبيها؛ لأنه لم يضبط غايات الصيام ولا مقاصده.
وأهم ما ينبغي أن يتنبه له – حتى يتمكن المسلم من الانتفاع من رمضان، ومن مواصلة السير على طريق الطاعة والاستقامة والإنابة لله تبارك وتعالى – أن يتعرف على هذه الغايات، وفي صدارتها أننا نعبد الله تبارك وتعالى كما أمرنا، لا كما نشتهي؛ فالله عز وجل هو الذي ينوع علينا صنوف العبادات، وما علينا إلا السمع والطاعة والانقياد.
فربنا جل وعلا يقول: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: 112]، لا كما تشتهي، لا كما تهوى، لا كما تصوّره العقول والأذهان الكليلة القاصرة، لا كما يطلب منك غيرك من صديق أو عدو، بل كما أمر الله تبارك وتعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾.
وها نحن: صوم رمضان صوم واجب، ثم يصبح يوم العيد صومه محرّم؛ نصوم رمضان بالكف والامتناع عن المفطرات، لكننا في آخر رمضان نبذل المال عطاءً؛ فالله عز وجل ينوع لنا هذه العبادات؛ لأن المقصود تحقيق العبودية الخالصة له جل وعلا كما أمرنا.
فمن أعظم الدروس والْعِظات التي يجب أن نأخذها من مدرسة الصيام أن نعلم أننا نتلقى أوامر من عند الله تبارك وتعالى، وأن كل ما أمرنا به جل وعلا – في حدود طاقتنا – نحن قادرون على إتيانه، وأن فيه مصالح ومنافع وعوائد لنا علمناها أو جهلناها؛ ليظل حالنا في استقامة وطاعة لله تبارك وتعالى والتزامٍ سائر العام.
يلي هذا المعنى ما يتعلق بحقيقة الصيام، وهذا أيضًا مما يجهله كثير من الناس؛ فيظنون أن شهر الصيام هو شهر للدَّعَة والراحة والسكون؛ ولذلك فإنهم يقضون سحابة النهار في النوم والكسل، ويسهرون الليالي وهم يؤدون الصلوات والقيام قدر استطاعتهم، يتزاورون وكفى، لا يلتفتون إلى أن من أعظم مقاصد الصيام تربية نفس هذا المسلم على أعظم الخصال وأعلاها في هذا الدين: على الصبر، وعلى الثبات، وعلى العزيمة.
بمعنى أنها تربي في نفس الصائم القوة؛ إذ عوامل القوة: صبرٌ وثباتٌ وعزمٌ، والصيام يحقق للصائم ذلك؛ فهو ليس شهر دَعَة وراحة وسكون، هو شهر فيه عبادة، تورث – كل عبادات الفريضة التي هي الصيام، وما وُجِد في هذا الشهر من أعمال جليلة من قيام، ومن تلاوة القرآن، ومن صدقات، ومن تزاور – كل هذه تورث في نفس الصائم صبرًا، تعلّمه حقيقة الحياة، وأنه قادر على أن يصبر عما تشتهي نفسه، وأنه هو الذي يتحكم في هذه النفس التي تدعوه إلى كثير من الاستمتاع بمتاع هذه الحياة الدنيا، فإذا به قادر على أن يتحكم في نفسه هذه؛ فيصبر ويثبت.
والثبات من أعلى الخصال التي يحتاج إليها المسلم في حياته؛ فلا يمكن له أن يكون كالريش المعلقة في الهواء التي تحركها الرياح كيف شاءت، لا بد له أن يثبت على مبادئه، على قيمه، على عقيدته، على طاعته لله تبارك وتعالى.
كما أن الصيام يورث الصائم عزيمة متينة؛ لأنه يتدرب في مدرسة الصيام، يعلم أن هذه العبادة فيها كثير من الأجر والثواب، وأبواب الطاعات فيها كثير من المَكابِد؛ فيُغرس في نفسه العزم الصادق على أن يأتي ما أمر الله تبارك وتعالى به.
ولذلك في تاريخ هذه الأمة ارتبط رمضان بالنصر والفتوحات، بل إن بعض العلماء يشير إلى معنى لطيف: لأن الصيام فيه كفٌّ وامتناع، هو مختلف عن سائر العبادات التي فيها فعل وأداء أو عطاء؛ الصوم فيه كف وامتناع؛ فيقول: دُرِّب آدم عليه السلام على ذلك بأن أُبيح له كل شيء إلا شجرة مخصوصة، أُمِر أن يكف عنها، فكان التدريب على ذلك منذ أن خلق الله تبارك وتعالى آدم عليه السلام ليكون خليفة في الأرض.
وهكذا نجد في تاريخ هذه الأمة؛ فإن المسلمين كانوا يصومون، لكن فريضة صوم رمضان كانت في السنة الثانية، وفي السنة الثانية كانت غزوة بدر في نفس السنة – لم ينتظر حتى يألف الصيام – بل خرجوا لغزوة بدر في شهر رمضان، وكذلك الحال كان في فتح مكة؛ حينما خرجوا بعد نصف الشهر كانوا صائمين قبل ذلك، لم يزعموا أن ذلك أضعفهم، وأنه يقعد بهمتهم، وأنهم بحاجة إلى الانتظار إلى أن يهلَّ هلال شوال، بل خرجوا لفتح مكة في رمضان، وكان لهم الفتح بحمد الله تبارك وتعالى.
وارتبط تاريخ هذه الأمة بما فيه قوة وعزة ونصر وتمكين؛ لأن المسلمين تخرجوا من مدرسة الصيام؛ فلا بد أن ننفي عن أنفسنا هذه النظرة الخاطئة عن شهر رمضان، وأنه عادات اجتماعية، وأنه مجرد فريضة نؤديها وانتهينا بمغيب آخر يوم منه؛ لا، رمضان يربي على القوة بعناصرها: الصبر، والثبات، والعزيمة.
إذا أضفنا – وهنا سأختم حتى لا أطيل كثيرًا، نحن نريد المقومات التي تعين المسلم على الانتفاع من مدرسة الصيام لما بعد رمضان، الذي هو محل السؤال – فإذا أضفنا إلى ما تقدم سنجد أيضًا أن من الأمور التي ركزت عليها أحكام الصيام العملية: أن فيها تنوعًا؛ يعني ليس هو مجرد الصيام، ليس مجرد كف وامتناع عن الأكل والشرب والمفطرات، وإنما نجد أن فيه تلاوة للقرآن الكريم؛ منذ أن عرفنا الله عز وجل به قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، نجد أن فيه قيام ليالي رمضان؛ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه»، هناك قيام ليلة القدر: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، فيه اعتكاف، فيه دعاء وتضرع إلى الله تبارك وتعالى.
هذا التنوع هو الذي يصوغ شخصية المسلم؛ ولذلك فعلى المسلم أن يغتنم هذه المواسم لأجل أن يدرب نفسه على مثل هذا التنوع في الطاعات الذي يحقق له التوازن، يحقق له الاعتدال في مسلكه، يبعده عن الشطط والغلو أو عن التفريط في أحكام هذا الدين؛ فلا يأتي ويقول: لا، أنا منشغل الآن بالصيام، سأُخفِّف من الصلاة قليلاً؛ لأنني أَتعبَّد الله تعالى بالصيام، أو يأتي ويقول: لا حاجة لي إلى القرآن لأني صائم ممتنع؛ فلا يسوغ له ذلك في شهر رمضان.
بدليل أن شهر الصيام خُتم بصدقة الفطر، والراجح أنها فريضة، أنها واجبة، كتأكي على الطعام، وهو نوع مختلف: الصوم فيه كف وامتناع، صدقة الفطر فيها بذل وعطاء، الصوم عبادة بدنية، بذل صدقة الفطر عبادة مالية، الصوم لكل المكلفين، لكن هناك من تتوق نفوسهم، هناك من كان ذا عذر؛ صدقة الفطر عن الرجل، والذكر، والأنثى، والصغير، والكبير، كل مولود من المسلمين فإنه يدفع؛ حتى يتربوا على العطاء، لا على مجرد أنه إن تحققت فيهم شروط كما هو الشأن في الزكاة؛ لهذا بذل وعطاء مختلف يُتربَّوْن عليه.
فلا يأتي أحد أيضًا ويُغالي في شأن الصيام ويقول: سأصوم أيضًا، سأزيد يومًا؛ لا في دخول الشهر، ولا في الخروج منه؛ لا في يوم الشك ولا في يوم العيد؛ هذا التنوع لا بد منه، لا بد أن يتقلب المسلم في صنوف الطاعات هذه، أن يرتاض فيها، وأن يُحسن في عباداته هذه حتى تكون شخصيته متزنة، وحتى يحقق لنفسه وروحه ما تحتاج إليه، وحتى يشبع ظمأ هذه الروح بصنوف العبادات هذه.
الآن إذا نظر إلى شهر الصيام هذه النظرة سيورثه ذلك اعتدالًا يمكّنه من الانتفاع بزَاد التقوى الذي هو المقصد الأسمى الجامع لكل هذه الخصال التي نتحدث عنها؛ حينما قال ربنا: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، يتمكن من خطة عملية لسائر العام في ظل هذه الأسس والمبادئ المتقدمة، والله تعالى الموفق.