⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن أهم ما ينبغي للمسلم أن يأخذه من رمضان أن يجتنب سخط الله تبارك وتعالى عليه، وأن يسعى إلى أن ينتهي عما نهاه عنه ربه تبارك وتعالى؛ فإن مدرسة الصيام قد عودته على أن يحمل نفسه على تقوى الله عز وجل، وعلى مراقبته، وعلى أن يكون مع المسلمين في صيامهم وقيامهم وتلاوتهم لكتاب الله عز وجل، وفيما يشعرون به من ألم الجوع ونَصَب العطش، صابرا محتسبا راجيا ثواب الله تبارك وتعالى له فيما أعده.
وهذا من أعظم ما يشير إليه كتاب ربنا تبارك وتعالى؛ فإن الله عز وجل يقول: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 185]. ومعنى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ أي لتأتوا بهذه العبادة كاملة تامة، قائمة غير منقوصة ولا معوّجة، وهكذا ينبغي أن يكون شأن المسلم في كل العبادات والشعائر التي أمره بها ربه تبارك وتعالى؛ أن يأتي بها قائمة تامة، مؤداة الشروط والأركان، مبتغى بها وجه الله تبارك وتعالى.
ثم قال: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ أي لتعظموا الله عز وجل وتقدروه حق قدره على ما أنعم به عليكم من هدايتكم إلى هذا الدين، ومن تعظيم الله عز وجل أن تعظم شعائره وأن تعظم حرماته؛ فليس من تقوى الله عز وجل ولا هو من عبر الصيام وعِظاته أن يعمد مجتمع مسلم إلى جلب أهل الفجور والخَنا، وأهل السفاهة والرذيلة إلى مجتمعاتهم، وقد ربّاهم كتاب ربهم تبارك وتعالى على تعظيم الله عز وجل وتقديره حق قدره، وعلى أن يلووا الشكر الواجب عليهم على ما هداهم به.
ثم قال: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي لتعظموا حق الله تبارك وتعالى عليكم، شاكرين له على ما أولاكم به. فكيف يرضى مسلم –فردا كان أو مجتمعا– أن يذل نفسه بهوان الخَناء والفجور والرَّذَان، وقد أعلى الله تبارك وتعالى قدره ورفع منزلته، وهداه إلى ما فيه شرف له في دينه في أولاَه وأخراه، وإلى ما فيه عزته وكرامته في العالمين جميعا، وما يحسده عليه الناس جميعا؟ ثم يَنبِذ كل ذلك ويجلب أهل سفالة ورذالة وسفاهة وفجور إلى مجتمعه لا يُعرَف عنهم إلا المجون والفسق ونشر الرذائل وانحطاط الأخلاق وسوء القيم، نبذهم العالم كله فيُؤتى بهم إلى مجتمعات المسلمين!
أيُّ عاقلٍ يرضى بذلك؟ وكيف يمكن لمسلم أن يتصور أن وراء جلب أمثال هؤلاء الأراذل –بعد شعيرة الصيام وبعد تعظيم الله عز وجل، وبعد ما أنعم به علينا من تكبيره وتعظيمه وأداء حق شكره– كيف يرضى بعد ذلك؟ إذا كان يتصور أن هناك مغانم مالية يمكن أن تعود على مجتمعه –في ظنه الفاسد– بشيء من الأموال، فإن هذا ظن فاسد يعارض دروس الصيام؛ لأن الله تبارك وتعالى ختم آيات الصيام بقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: 187]، كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون.
يبين أن هذه الأحكام الشرعية التي يدعونا إليها هذا الدين هي حدود لا يجوز الاقتراب منها، بل يجب حفظها وصيانتها وأداؤها، لا في شأن الصيام فقط، وإنما في كل ما أمر به ربنا تبارك وتعالى، يقول: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾؛ فكيف يرضى مسلم بعد ذلك أن يعتدي على حدود الله تبارك وتعالى؟ لعلهم يتقون، يؤكد ربنا تبارك وتعالى أن غاية الصيام هي أن يعيد تشكيل هوية هذا المجتمع على أسس متينة من تقوى الله عز وجل وابتغاء رضاه.
ولذلك جاء بعد هذه الآية الكريمة قوله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188]، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ﴾ بها ﴿إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا﴾ فريقا من أموال الناس ﴿بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛ فكما أمكن لكم الإمساك عن الطعام والشراب وشهوات الجماع، فإن الواجب عليكم أن تحملوا أنفسكم على الامتناع عن شهوة المال بكف هذه الأنفس عما يمكن أن يزينه الشيطان مما فيه مغانم مادية، وهي عند الله تبارك وتعالى لا تعدو أن تكون هباء منثورا؛ لأنها خسائر وضلال وذل وهوان على المجتمع بأسره.
والعاقل في حقيقة الأمر يتعجب –بعد هذه النذر في كتاب الله عز وجل– كيف يرضى غيور على مجتمعه ووطنه بالمذلة والهوان، وبنشر الرذائل والفساد، وبالاستجابة لدواعي السفهاء في المجتمع الذين لا يهمهم أمن مجتمع ولا هويته، ولا أخلاق أفراده، ولا تماسك أبنائه؟ بدليل أن الله تبارك وتعالى ربط تحقق كل هذه المعاني الداعية إلى التماسك والألفة والعزة والتمكين ربطها بالإيمان والعمل الصالح حينما قال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: 55]، ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾.
يبدأ ربنا تبارك وتعالى –بعد المقدمات، بعد الأسباب– حينما ذكر النتائج والعواقب المرتبة على هذه المقدمات من الإيمان والعمل الصالح، يبدأ بالجانب المادي الدنيوي الذي يتحصل لهؤلاء المؤمنين الذين يعملون الصالحات، فيقول: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، وما معنى أن يستخلفهم في الأرض جل وعلا؟ هذا يعني أن يمكِّن لهم في الأرض، أن يورثهم أسباب القوة والعزة والنصر والكرامة والألفة والتماسك؛ فإنهم إن فرطوا في الإيمان والعمل الصالح زال عنهم ذلك، وأورثهم الذل والهوان.
ثم بعد ذلك يضرب له المثل، يقول: ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَكُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾؛ هذا أمر ارتضاه لنا خالقنا جل وعلا الحكيم الخبير، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]؛ فكيف نعرض عما ارتضاه لنا ربنا تبارك وتعالى ونظهر له ما يسخطه؟ ثم يقول بعد ذلك: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾، وأطلق كلمة الأمن؛ نحن نعلم اليوم أن هذا الأمن المقصود هو الأمن الشامل: الأمن الفكري، والأمن المجتمعي، والأمن المعيشي، والأمن الغذائي، وأهم كل هذا الأمن هو الأمن الفكري الذي يشمل منظومة الفكر والمعرفة والثقافة والأخلاق والآداب في مجتمعاتنا.
مما يعني أننا إن فرطنا في مبادئ الإيمان والعمل الصالح، فإن هذه المنظومة الأمنية الشاملة التي يمكن أن نحظى بها بتقوى الله عز وجل وبإيماننا به والعمل الصالح الذي نتقرب به إليه أداء لما افترضه علينا، فإن كل ذلك زائل؛ مما يعني أنه لن يمكن لنا في الأرض، ولا يمكن لنا ديننا، ولا يورثنا شيئا من الأمن.
وهذا المعنى يتأكد في كتاب الله عز وجل بحيث لا يستطيع عاقل أن يجحد هذه الحقيقة القرآنية؛ ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: 112]. كيف يرضى غيور على مجتمعه وعلى وطنه أن يكون سببا لأن يذيق الله عز وجل هذا المجتمع لباس الجوع والخوف بسبب صنيع بعض السفهاء، وبسبب إعراضهم عن أحكام دينهم، وبسبب اتباعهم لأهوائهم ووساوس الشيطان ولما يزينه لهم؟
إذاً قوارع هذه النذر في كتاب الله عز وجل داعية إلى أن نأخذ من مدرسة الصيام ما نثبت به حقا أننا معظمون لأمر الله عز وجل، شاكرون له تبارك وتعالى على ما أنعم به علينا، متمسكون بأسباب الهداية غير مفرطين فيها، وأننا نظهر له جل وعلا أننا نتناصح فيما بيننا، نتواصى بالحق ونتواصى بالصبر، ولا نكون كَشأن الأمم التي قال عنها ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: 78-79].
لما قصَّ لنا ربنا تبارك وتعالى أسباب لعنة هؤلاء، وهو يبين أن رسلهم وأنبياءهم كانوا يَعِظونهم، ولكنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه؛ فبقاء هذا المجتمع آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، متواصيا فيما بينه بالحق وبالصبر، ومؤديا لواجبي النصح، هو العاصم الذي يمكن أن يقي من الهلكة، ومن زوال هذه النِّعَم، ومن أن يبدل الله تبارك وتعالى علينا نعمة الأمن بالخوف، ونعمة الرزق بالجوع –عياذا بالله–.
هذه هي أهم العِبَر والعِظات والدروس التي على المسلم وعلى المسلمين جميعا أن يأخذوها من مدرسة الصيام، وأن يلتفتوا إليها، وأن يعتزوا بها، وأن يتعاونوا عليها.
والله تعالى المستعان.