⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فجوابًا على سؤالك لا بد أن نتذكر قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155]. فإن هذا البلاغ في كتاب الله عز وجل يقرر للمؤمنين حقيقة مفادها أن الانتساب إلى الإيمان لا ينفي عنهم أن يصيبهم شيء من البلاء في معايشهم وفي أنفسهم، في أرزاقهم وفي طمأنينتهم وأمنهم كما في أنفسهم وذواتهم، نعم. وأن انتسابهم إلى هذا الدين لا يعني رغد العيش، ولا يعني قوة السلطان وشوكته… بل هذا التوطين من قبل الله سبحانه وتعالى لأنفس المؤمنين تهيئة لحقيقة راسخة من سنن هذه الحياة، وهي أن من مقتضيات ضياء الإيمان ولوازمه أن يصيب المسلمين ما يصيب غيرهم، وأن ذلك إنما هو ابتلاء من الله تبارك وتعالى بنص هذه الآية: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾. وفي آية أخرى قال: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: 186]، و﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: 186]. مما يقرر أن ما يصيب الناس من كروب وخطوب ومصاعب ومصائب إنما هي في حقيقتها ابتلاء من الله تبارك وتعالى لهم، نعم.
أما كيف يستقبلون هذه الابتلاءات، فهذا باب آخر: كيف يفسرون ما يصيبهم، ما الذي ينبغي لهم أن يواجهوا به هذه الخطوب، وما هي الأسباب التي يسندون إليها، إنما هو باب آخر. فنخلص إلى أن هناك جهتين تتواردان على البلاء الذي يصيب الإنسان:
نعم، ذات البلاء الذي هو بتقدير من الله سبحانه وتعالى، فكل ما في هذا الكون إنما قدَّره مسبب الأسباب الله تبارك وتعالى، وهو الحكيم العليم الخبير، لا راد لحكمه ولا معقب لقضائه، نعم. هذا باب، أو هذه جهة تتصل بذات البلاء.
والباب الآخر، أو الجهة الأخرى، هي انفعال المبتلى المكلَّف مع ما يصيبه من بلاء، وهذا باب آخر؛ بمعنى: كيف يتفاعل، كيف يستجيب، كيف يفسِّر ويواجه ما يصيبه من بلاء، نعم.
ففيما يتصل بالوجه الأول فإن الله سبحانه وتعالى له حكم بالغة فيما ينزله على عباده من بلاء؛ فقد يكون في ذلك تمحيص للمؤمنين، نعم، وقد يكون فيما يقضيه الله تبارك وتعالى رفعٌ لدرجاتهم، وقد يكون فيه دفعٌ عما هو أعظم مما أصابهم، وقد تكون هناك حكم لا يعلمها المبتلون، كل ذلك إنما هو بتقدير من الله سبحانه وتعالى.
لكن في جهة المبتلى، في جهة المكلَّف، فإن الذي يتجه من خلال ما نفهمه من آيات كتاب الله العزيز أن على المكلَّف ألا يزكِّي نفسه، بل لا بد له أن يتهم نفسه بالتقصير، نعم، وأن يُسنِد سبب ما أصابه إلى أنه من نفسه، نعم، وأن ذلك الذي ابتلاه به ربُّه تبارك وتعالى إنما كان منشؤه من عند نفسه، ولذلك فهو بحاجة إلى أن يمحِّص في خفايا نفسه، وأن يبحث في طواياها عما أدَّى به إلى حصول هذا البلاء أو نزول هذا البلاء عليه، نعم.
وهو في هذا السبيل لا بد أيضًا من أن يتعلَّق بحبل الرجاء بالله تبارك وتعالى، فلا يخرجه اتهامه لنفسه بالتقصير وبحثه عن الأسباب في ذات نفسه عن رجاء ما عند الله سبحانه وتعالى وإحسان ظنه به، نعم. فإذا هاتان هما الجهتان.
أما كيف نفهم ذلك، فلأن الله سبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ [آل عمران: 165] وهذه الآية نزلت عقب أحداث غزوة أحد وما أصاب المسلمين، نعم، فعجبوا مما أصابهم وتساءلوا: ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾، فكان الجواب: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: 165]، نعم. فهذا فيه من التربية والتوجيه للمسلمين ما لا يخفى، من أن الواجب عليهم أن يُسنِدوا ما أصابهم من بلاء إلى ذواتهم، إلى أنفسهم: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾، نعم.
ويتأكد هذا المعنى في قوله تبارك وتعالى، ويتأكد ما يتصل بالحقيقة الأولى التي تتصل بذات البلاء وبتقدير الله عز وجل لما يصيب العباد، في قوله بعد هذه الآية مباشرة: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 166]، فيقرر أن كل ما يقع في هذا الكون من خير أو شر إنما هو بتقدير منه جل وعلا، ثم يبين بعض الحكم فيقول: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران: 166-167]، … نعم.
فإذا هنا حكم بينها الله سبحانه وتعالى من هذا البلاء الذي أصاب المؤمنين، لكن هذا من حكم المقدِّر الحكيم الخبير، نعم…