مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

كيفية تأثير الجن

كيف يحصل تأثير الجن في الإنسان وما حقيقة ما يسمى بالتلبس والمسّ والعَرَض وكلام الجن على لسان الإنسان؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، أما بعد، فالجواب أن محاولة معرفة كيفية تأثير الجن في الإنس هي محاولة لاكتناه ما هو خفي علينا، مما لا يؤدي إلى كبير نتيجة، فمعرفة كيفية التأثير لا تغير من حقيقة إمكانية التأثير. فكان حديثنا بالأمس يتناول الأدلة الشرعية من كتاب الله عز وجل ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تبين إمكانية التأثير، وأن هذا التأثير إنما هو بإذن الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 102]، وأن الأسباب كلها بيد الله عز وجل، وأن المؤمن الراسخ الإيمان الموصول بالله سبحانه وتعالى، العابد له، الذي يحصّن نفسه ويقيها بذكر الله تبارك وتعالى وبما ورد من أوراد مشروعة في أوقات ومناسبات مختلفة، هو – بإذن الله تعالى – في حصن وحرز من أن يناله مكروه من قبل هؤلاء الجن، إلا أنه يمكن أن يبتلى، فإذا ابتلي المؤمن صبر واحتسب ما أصابه عند الله تبارك وتعالى، وتوكل عليه، والتمس طرق العلاج المشروع. لكننا إذا أردنا أن نحاول أن نتعرف كيفية تأثير الجن في الإنس فإن الأدلة تعوزنا، ولا نجد من الأدلة الشرعية ولا من الأدلة العلمية أو العقلية ما يسعفنا إلى الوصول إلى رأي تطمئن إليه النفوس: هل هو تلبس، أم دخول، أم عارض، أم إيحاء، أم غير ذلك؟ كل هذه احتمالات واردة. والله سبحانه وتعالى ذكر في كتابه المس، قال: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: 275]، والمس يأتي بمعنى الإصابة، والإصابة قد تكون إصابة حسية فهي الملامسة، وقد تكون إصابة بلحوق الأذى أو لحوق المضرة، فلا دليل في هذا على تقييدها بنوع معين من الكيفية. وهناك بعض الروايات التي يحاول بعض العلماء الذين يرون أن الجن يمكن أن يدخل في بدن الآدمي أن يستدلوا بها، كرواية: «اخرج عدو الله» في إحدى رقى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أنها لا يمكن أيضا أن يقال بأنها نص في الموضوع، لأن هذه الكلمة يمكن أن تقال حتى للمرض، ولا يمكن أيضا أن تُصرف إلى معنى واحد فقط، وهو أن هذا الذي أصابه قد دخل وتلبس ببدنه. وأما رواية: «فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق» فهي أيضا لا دليل فيها على ما حاول البعض من بيان أن ذلك إنما يكون بالدخول، وأن الشيطان وأعوانه إنما يجرون في ابن آدم في دمه أو في مجرى الدم من العروق، لأن هذه الصورة إنما هي صورة تشبيه للدلالة على قرب تأثير الشيطان وأعوانه من الجن في هذا الإنسان، وأنهم يوسوسون إليه، وهذه الوسوسة. طالما علمنا جميعا أن الجن قد خُلقوا من نار، وأنهم أجسام لطيفة – أي لطيفة من حيث أصل الخِلقة – إلا أنهم من حيث قدراتهم، ومن حيث ما يستطيعون القيام به، ومن حيث قوتهم، فالظاهر من الأدلة الشرعية أنهم أقوى من البشر، وأن لهم من الطاقات والقوى ما ليس للبشر. إجمالا قد يكون هذا خاصا بفئات منهم، وقد يكون هذا طوائف أو أنواعاً منهم، وقد يكون في مراحل معينة، إلا أن هذا الذي يفهم من خلال إشارات في كتاب الله عز وجل، وليس هذا هو موضوع حديثنا، وإنما الكلام هنا عن هذا الدليل، والظاهر أن هذا الدليل لا يعدو أن يكون تشبيها لقرب تأثير وسوسة الشيطان وتأثيره في الإنسان وفي عوامله القلبية النفسية، كما أن الدم يجري في ابن آدم في العروق. ولهذا فإننا لسنا بحاجة إلى محاولة الوصول إلى رأي في هذه القضية؛ لأن هذه الاحتمالات كلها ممكنة، ولا يمكن الركون إلى احتمال واحد منها أو إلى تفسير واحد منها دون غيره، لأنها جميعا ممكنة، ولا يظهر أثر لترجيح احتمال على آخر. فطالما أنه لا أثر في معرفة الكيفية – لأن وسائل العلاج هي نفس وسائل العلاج والوقاية والتحصين مهما تعددت الكيفيات – فلا حاجة إلى الخوض في ذلك. على أنَّنا قدمنا أيضا – وهذه مسألة مما ينبغي أن يُنتبه له – أن الإنسان مخلوق مليء بالأسرار، وتتكشف من هذه الأسرار يوما بعد يوم، بما يتوصل إليه العلماء من الكثير من العجائب، وما يمكن أن يؤثر في الإنسان، وما يملكه الإنسان أيضا من طاقات هي مما أودعه الله سبحانه وتعالى في هذا المخلوق الذي كرّمه وفضّله على سائر المخلوقات، وجعله مكلّفا حاملاً أمانة عبادة الله تبارك وتعالى في هذه الأرض وعمارتها بما يرضي الله تعالى ووفق منهجه القويم. إذن الخلاصة أن الأدلة الشرعية لا تسعفنا إلى محاولة تفسير كيفية التأثير، وكذا الحال بالنسبة للتجارب والمشاهدات التي يذكرها الناس، إذ لا يوجد دليل علمي ولا عقلي يفسر تفسيرا واضحا جليا يُرجَّح على غيره كيفية هذا التأثير. لكنك في السؤال ذكرت سؤالا آخر، وهو موضوع أنهم يتكلمون على لسان المريض أو على لسان المبتلى، هذه قضية أخرى اختلف فيها العلماء قديما وحديثا: هل يمكن للجني أن يتكلم على لسان الإنسي، فيسمع الإنس كلامه أم لا؟ لنأخذ الجانب الشرعي أو ما ورد من أدلة شرعية في هذه القضية: ثبت في كتاب الله عز وجل أن الجن يتكلمون، وأن لهم حديثا مفهوما، وأنهم يفهمون الخطاب الشرعي، وأنهم مأمورون بهذا الخطاب الشرعي. ثبت أيضا في الأدلة الشرعية في مناسبات عديدة أن حوارات جرت بين جن تمثلوا في صور بشر؛ كلموا بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل كلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد تمثلوا، وللجن قدرة على أن يتشكلوا وأن يتمثلوا في صور بعض البشر، أو في صور بعض البهائم والحيوانات، وهم في تَشَكُّلهم ذلك قادرون على الحديث ويتخاطبون مع الآخرين. ثبت أيضا في كتاب الله عز وجل أن نبي الله سليمان خاطب الجن وأنهم خاطبوه، والقصة في إحضار عرش بلقيس معروفة لدى الجميع، إذن مجمل هذه الأدلة وغيرها الكثير تؤكد أن الجن يتكلمون، وأنهم إذا تشكلوا في صور بشر فإنهم يمكن لهم أن يخاطبوا البشر فيسمعون منهم. لكن في حالة إصابتهم أحدا من البشر بأذى، فهل يتكلمون على لسان ذلك البشر؟ أنا لا أرى أن هذه المسألة مسألة شرعية؛ لأنه لا يترتب عليها عمل، كما لا يترتب عليها فقه يقرب إلى الله تبارك وتعالى، ولا يغير من حقيقة أنهم قادرون – بإذن الله تعالى ومشيئته وقدرته – على أن يلحقوا بأحد من البشر أذى، وأنهم في ذواتهم قادرون على الحديث، ولذلك لا حاجة إلى الخوض في جدليات كثيرة ومناظرات وتخطئة، لأنها من الفروع الهامشية التي يصعب وجود دليل يثبتها من الأدلة الشرعية أو أيضا من الأدلة العلمية أو العقلية. للناس تجارب ومشاهدات، وقد ذكر كثير من السلف ممن لا يُتَّهَمون – ذكروا تجاربهم بأنفسهم وما رأوه بأنفسهم – مما لا يمكن أن يُدفع، لكن هل يُبنى على ذلك رأي فقهي؟ لا؛ الأحكام الشرعية لا تُبنى على تجارب الناس، اللهم إلا أن يكون هؤلاء يدَّعون أن هذا الواقع هو الذي يثبت، والوقوع هو خير دليل. لكن المسألة – كما قلت – محتملة، ولا حاجة إلى الخوض في تفاصيلها؛ إذ يمكن تفسير ما يعتري المريض المبتلى بشيء من هذه الأمراض، وأنه يُسمع منه كلام على خلاف ما اعتاده هو من أصوات ومن أساليب خطاب، وفي بعض الأحيان حتى من لغة، لكثير من العلماء أيضا تفسيرات لها، تفسيرات علمية قد تكون أيضا تفسيرات مقبولة، وقد يكشف العلم مع تطوره المزيد مما يتصل بهذا الموضوع، والله تعالى أعلم.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ١٢‏/٨‏/٢٠١٢👁 4 مشاهدة
🎬

علاقة الجن بالإنس 2- للشيخ كهلان الخروصي 7 رمضان 1433 هـ

العقيدةالمسائل الطبية

✦ فتاوى مشابهة

تلبس الجن بالإنس

2 👁

ما رأيكم في مسألة تلبس الجن بالإنس، وهل يدخل الجن في جسد الإنسان ويتكلم على لسانه؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٨‏/٦‏/٢٠١٧

حقيقة المس وتأثيره

5 👁

ما حقيقة المس وكيف يكون تأثير الجن على الإنسان؟

👤أحمد بن عبيد التمتمي
٢١‏/٥‏/٢٠١٤

حقيقة تلبس الجن بالإنس

6 👁

ما الموقف الشرعي من مسألة دخول الجن في جسم الإنسان وتلبّسه به، وما دلالة النصوص على ذلك، وهل الأصوات التي تسمع على ألسنة المرضى تعد دليلاً قاطعاً على هذا التلبّس؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٣١‏/٥‏/٢٠١١

حقيقة المس بالجن

2 👁

هل يتحقق مس الجن للإنس، وهل يدخل الجن في جسد الإنسان أم هو تأثير خارجي؟

👤أحمد بن عبيد التمتمي
٢١‏/٥‏/٢٠١٤

حضور وانصراف الجن

5 👁

ما حقيقة حضور الجن على بدن الإنسان وانصرافهم عنه؟

👤أحمد بن عبيد التمتمي
٢١‏/٥‏/٢٠١٤

إمكان تأثير الجن

2 👁

ما حقيقة إمكان تأثير الجن على الإنس من الناحية الشرعية وما الأدلة على ذلك مع كثرة إسناد الأمراض والعلل إلى الجن والسحر؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٢‏/٨‏/٢٠١٢