مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

إمكان تأثير الجن

ما حقيقة إمكان تأثير الجن على الإنس من الناحية الشرعية وما الأدلة على ذلك مع كثرة إسناد الأمراض والعلل إلى الجن والسحر؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أثواب رحمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم، وفهِّمْنا ما لم نفهم، واهدِنا إلى الطريق الأقوم، إنك أنت العزيز الأكرم، وأنت الرب وأنت الحكم. أما بعد، فإن من الحقائق المسلَّمة في هذه الحياة، مما يستند إلى أدلة شرعية كثيرة، ومما تواطأت عليه كلمة جماهير أهل العلم: أن الجن حقيقة في هذه الحياة، نعم، فهم خَلْق من خلق الله تبارك وتعالى. وهذا – مع كونه من المسلَّمات – إلا أن الناس اختلفوا في مسألة ما إذا كان يمكن أن يكون للجن تأثير في حياة البشر، هذا التأثير سواء كان بجلب مصالح لهم أو بدفع مضارّ عنهم. لكننا ننطلق من الحقيقة الأولى، وهي كون وجود الجن حقيقة، إلى حقيقة أخرى، وهي أنهم مكلَّفون؛ فالجن خلق من خلق الله تعالى أُمِروا بعبادة الله عز وجل وتوحيده، فالله عز وجل يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، مما يؤكِّد أن للجن – بمختلف أصنافهم وأنواعهم – في هذه الحياة وظيفة، وهذه الوظيفة تتمثَّل في عبادة الله عز وجل؛ لأنهم متعبَّدون بذلك ومكلَّفون. ولهذا فإن لهم شُغْلًا بعبادة الله عز وجل، وبالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وبنشر الخير فيما بينهم كما يُفهَم من شأن الإنس أيضًا، نعم، ولهم بعد ذلك من أعمالهم وأسواقهم وما يحتاجون إليه مما دلَّت عليه أدلة في مجمل ما نفهمه من كتاب الله عز وجل ومن سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا يقودنا إلى القضية الأصل التي هي محل البحث، وهي: إمكانية تأثير الجن في الإنس وتأثير الإنس في الجن، والجواب باختصار: أن ذلك ممكن؛ فالإنس يمكن أن يؤثِّروا في الجن، كما أن للجن تأثيرًا أيضًا في الإنس، نعم. وكما أن الإنس أيضًا مشغولون بعبادة الله عز وجل، وبأعباء هذه الحياة، وبمسؤولياتهم فيها، فإن الجن أيضًا مشغولون، وكما أن الإنس ليس من شأنهم القصد إلى مضارِّ الجن، فإن لنا أن نفهم أيضًا أن الجن في الأصل ليس من مقاصدهم الاشتغال بمضارِّ الإنس، إلا أن توجد بواعث أو أسباب داخلية أو خارجية. وبعد فهمنا لهذه الحقائق ننتقل إلى بيان الأدلة الشرعية الدالَّة على إمكان هذا التأثير. من ذلك أن الله عز وجل قال في كتابه الكريم: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: 275]، فهذه الآية شبَّهت آكل الربا بإنسان مضطرب في أحواله، يقوم ويُصرَع فيسقط باضطراب حركة وعدم انتظام صحة، وأسندت هذه الحالة إلى أن سببها تخبُّط الشيطان لهذا الإنسان من المسِّ: ﴿كَالَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾. بعض أهل العلم يرى أن هذا التشبيه إنما هو صورة متخيَّلة في أذهان المخاطبين الذين نزل فيهم القرآن؛ فهم يتصوَّرون أن المصروع إنما يرجع سبب إصابته بالصَّرَع إلى مسٍّ من الشيطان، فنزل القرآن وفقًا لهذه الصورة المتخيَّلة في أذهانهم، لكنه لا يعني بالضرورة – عند هؤلاء، وهم قلَّة من أهل العلم – لا يعني بالضرورة أن تكون الصورة صحيحة في ذاتها، وإنما نزلت وفقًا لما يتخيَّله ويتوهَّمه المخاطبون، وهؤلاء هم أغلب المعتزلة وبعض الفقهاء من المتقدِّمين وبعض المتأخِّرين من أهل العلم. لكن جماهير العلماء تستند إلى هذه الآية – مع آيات أخرى – للدلالة على إمكانية تأثير الجن على صحة هذا الإنسان وإصابته بضرٍّ. ومن ذلك أيضًا قول الله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ۖ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 102]. ولكي نفهم الدليل الشرعي، أو موضع الدليل في هذه الآية الكريمة، فإنه لا بد لنا من أن ننظر في سياقها الذي وردت فيه، وفي تفسير مجمل معناها. أمَّا السياق، فهو سياق العتاب على اليهود من أهل الكتاب، ونظرًا لأن اليهود كانوا يعتقدون – ولا يزالون يعتقدون – في نبيِّ الله سليمان أنه ليس بنبي، وأن ما كان قد أوتي إيَّاه من آيات إنما هو ضروب من السحر، متبعين في ذلك ما كانت تتلوه الشياطين، فوصف الله عز وجل أهلَ الكتاب – اليهود من أهل الكتاب – في صدر الآية بأنهم اتَّبعوا ما كانت تتلوه الشياطين على مُلك سليمان. ولمَّا كانت الشياطين تتلو على مُلك سليمان للناس أن ذلك إنما هو من السحر، لأن الشياطين كانوا قد سُخِّروا لسليمان كما قصَّ لنا الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم، فلمَّا كانت حالتهم كذلك في عهد سليمان عليه السلام فإنهم أرادوا أن يشوِّهوا هذه الحقيقة، فنشروا في الناس أن الذي كان عليه سليمان إنما هو ضرب من السحر، وتبنَّى اليهود بعد ذلك مقولة هؤلاء، واتَّبعوا ما تتلو الشياطين على مُلك سليمان. وردَّ الله عز وجل عليهم هذا المعتقد الباطل، قال: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾، ثم عطف: ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾. وأقرب الأقوال في هاروت وماروت: إما أن يكونا مَلَكين كما هي القراءة المشهورة، اختارهما الله عز وجل ليعلِّما الناس هذه الطُّرُق الخفيَّة، فيتبيَّن للناس – تقوم الحجَّة على الناس – في أن الذي كان عليه سليمان عليه السلام ليس ضربًا من السحر؛ لأنه مختلف عن السحر الذي يعلِّمه الناس، نعم، أو أن يكونا رجلين بلغا في الصلاح والتقوى والزهد والقرب من الله عز وجل إلى أن وُصِفا أنهما كالمَلَكين، وهذا تؤيِّده قراءة «المَلِكَيْن»، لكن عملهما واحد، أي يتَّفق مع التفسير السابق في أنهما أُوعِز إليهما أن يعلِّما الناس الطرق الخفيَّة والوسائل التي يستطيع الناس بها تمييز السحر من النبوَّة والوحي الذي كان قد أُكرم به سليمان عليه السلام، وما آتاه الله تعالى إيَّاه من الملك. في هذا السياق يأتي القرآن الكريم فيقول: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾، فدلَّ ذلك على أنه يمكن أن يكون للسحر، ولبعض الطرق الخفيَّة، تأثيرٌ في إمكانية التفريق بين المرء وزوجه، وإذا ثبت إمكان تأثير الجن أو السحر في إحداث تفريق بين المرء وزوجه جاز وساغ أن يكون التأثير شاملًا لجوانب أخرى، نعم. ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وفي هذا ردٌّ على الذين قالوا بأن هذه الصورة إنما نزلت – أي هذه الصورة التي يرسمها القرآن الكريم – إنما نزلت بناءً على صورة متخيَّلة متوهَّمة عند المخاطبين؛ لأن الحقيقة – بتتبُّع آيات الكتاب العزيز – يظهر أن القرآن الكريم لا يقرُّ الصور التي يظنُّها المخاطبون في أذهانهم إن لم تكن موافقةً للحق والصواب، بل إن القرآن يبادر إلى تصحيحها، كما صحَّح ظنَّ هؤلاء في سليمان، وقال: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾، وكما صحَّح أيضًا اعتقاداتهم الخاطئة في أن ذات السحر وأفعال الجان والشياطين لها تأثيرٌ بذاتها، فردَّ ذلك بقوله: ﴿وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. فهذا دليل آخر يُضاف إلى الآية السابقة. ومن ذلك أيضًا قوله جلَّ وعلا: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ﴾ [الأنعام: 71]، وهذه تحتمل التأثير بالإيحاء والوسوسة للإضلال عن طرق الهداية والصلاح والاستقامة، كما تحتمل أيضًا ما تورثه الحيرة من الاضطراب النفسي المؤدِّي إلى اضطراب الصحة والانفعال لتلك الحالة النفسية المضطربة. أمَّا أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي أيضًا كثيرة، لكن سنأتي لها تباعًا، لكن قبل ذلك أذكر ببعض الآيات أيضًا من كتاب الله عز وجل، ومنها المعوِّذتان، فكلا السورتين إنما تعلِّمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعلِّمان المؤمنين من بعده، كيف يستعيذون، أن يلتجئوا إلى الله عز وجل، ويتحصَّنوا من كل أنواع الشرور، وفيها ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾، وهُنَّ السواحر اللاتي ينفثن – ينفخن – لعمل السحر لإحداث الأضرار، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ … ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾. فلو لم يكن للجنِّ إمكان إحداث ضرٍّ وأذى في الناس لما كانت هناك حاجة إلى تعليم هذه الاستعاذات. لكن الذي ينبغي أن نفهمه أن المؤمن الذي رضي بالله تعالى ربًّا، وتمكَّن الإيمان من جوانح قلبه، فهو في حِصن وأمان بفعل إيمانه بالله تبارك وتعالى، هو ليس بالغرض السهل الذي تقتنصه مردة الجن والشياطين، هو في حِرْزٍ وأمان من الله عز وجل، إلا أنه يمكن أن يُبتلى، نعم، لينظر في حاله: أيصبر ويتعلَّق بالله سبحانه وتعالى، ويلجأ إلى ما أمره به، أم أنه ييأس ويقنط، ويبتعد عن منهج الله تعالى القويم، فيقع أسيرًا للخرافات والأوهام والأساطير. ولهذا كان من صميم ما أُمِرنا به هو عين ما أُمِرَت به الأمم السابقة، فمما أمر الله تعالى به الأمم – خاصةً ما أمر به بني إسرائيل – أن يأخذوا الكتاب بقوة، وأخذُ الكتاب بقوة فسَّره أهل العلم بأن ذلك يعني قوة النفس والإيمان؛ فإن تعاليم الكتاب الذي أُوحي إليهم لا ينبغي أن تُؤخذ بتردُّد وشك واضطراب نفس، بل لا بد أن تُتلقَّى بحزم وإيمان راسخ وطمأنينة نفس، وإقبال على ما فيها، هذا هو الذي يجعل نفس المؤمن في وقاية وجُنَّة من أن تتخطَّفه أغوال الجن والشياطين. والله تعالى أعلم.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ١٢‏/٨‏/٢٠١٢👁 2 مشاهدة
🎬

علاقة الجن بالإنس 1- للشيخ د كهلان الخروصي 6 رمضان 1433 هـ

الحديث الشريفالعقيدة

✦ فتاوى مشابهة

نوع تأثير الجن

3 👁

ما ماهية هذا التأثير الذي يثبته الشرع للجن؛ هل هو تأثير نفسي أو عضوي يدخل في كسر العظام والأمراض الخطيرة أم هو تأثير روحاني فقط؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٢‏/٨‏/٢٠١٢

الفرق بين تأثير الجن والسحر

2 👁

هل هناك فرق بين تأثير الجن وتأثير السحر، وأيهما أثبت، وما هي المجالات التي يمكن أن يظهر فيها تأثير السحر؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٢‏/٨‏/٢٠١٢

كيفية تأثير الجن

4 👁

كيف يحصل تأثير الجن في الإنسان وما حقيقة ما يسمى بالتلبس والمسّ والعَرَض وكلام الجن على لسان الإنسان؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٢‏/٨‏/٢٠١٢

حقيقة المس بالجن

2 👁

هل يتحقق مس الجن للإنس، وهل يدخل الجن في جسد الإنسان أم هو تأثير خارجي؟

👤أحمد بن عبيد التمتمي
٢١‏/٥‏/٢٠١٤

تأثير الجن على الإرادة

0 👁

هل يمكن أن يحمل المس أو السحر الإنسان على فعل لا يريده حتى يزول اختياره، أم أن تأثيره مجرد تأثير لا يرفع المسؤولية؟

👤إبراهيم بن ناصر الصوافي
١٣‏/٧‏/٢٠٢٥

حقيقة المس وتأثيره

5 👁

ما حقيقة المس وكيف يكون تأثير الجن على الإنسان؟

👤أحمد بن عبيد التمتمي
٢١‏/٥‏/٢٠١٤