مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

نوع تأثير الجن

ما ماهية هذا التأثير الذي يثبته الشرع للجن؛ هل هو تأثير نفسي أو عضوي يدخل في كسر العظام والأمراض الخطيرة أم هو تأثير روحاني فقط؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
للأسف الشديد فإن الناس قد بالغوا في بناء ما يصيبهم وإسناده إلى تأثيرات الجن، بل يعني أفرَطوا. إنما تُذكَر إمكانية التأثير، لكننا في المقابل نعلم أن المسلم – كما قلت – ليس غرضًا سهلًا، ولا هو أيضًا في غير قدرة على تحصين نفسه؛ لأن نفس طمأنينة قلبه بالله سبحانه وتعالى وذكره له، ومحافظته على فرائض هذا الدين، واشتغاله بما أمره الله عز وجل به، هو صارف له وواقٍ له بإذن الله تعالى من التأثر. وما يحصل – للأسف الشديد – أن كثيرًا من الناس بسبب تفشِّي الجهل وضعف فهمهم لحقائق هذا الدين يُسنِدون كلَّ ما يصيبهم إلى هذه التأثيرات، في حين أن الذي نجده في سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل حتى في الأدلة الشرعية، أن هذه التأثيرات التي نتحدَّث عنها هي أقرب – من حيث منشئها – إلى التأثيرات النفسانيَّة الروحانيَّة كما سميتموها. نعم، قد يظهر لها أثر عضوي، لكن الأثر العضوي لا يكون إلا ناشئًا عن حالة التأثر النفساني، ونحن لا يمكن لنا أن نصل إلى بيان الكيفية. أنا في ظني أنه يمكن لنا أن نطرح البحث عن كيفيَّة تأثير الجن أو السحر في الإنسان، طالما وجدنا أن هناك أدلة تؤكِّد الإمكانية، هذه الكيفية يصعب الوصول إليها لجملة أسباب: أمَّا السبب الأول: فلأنَّا نعلم أن هذا الإنسان بناءٌ متكامل، فيه الروح والعقل والعاطفة والجانب العضوي الجسماني، وأن هذا البناء متكامل، فأيُّ خَلَل يصيب جانبًا من هذه الجوانب المتكاملة سوف يؤثِّر على الجوانب الأخرى. إذا كانت أظهر هذه الجوانب هو الجانب الجسماني، الجانب العضوي، ونحن نعلم أن لو أن شوكة أصابت إنسانًا فإنه يتأذَّى حتى يصل الأذى إلى حدِّ التضرُّر النفسي، فكيف إذا ما كان هذا التأثير تأثيرًا لطيفًا خفيًّا – أي خفيًّا دقيقًا يسيرًا لا يُرى – أو كان متصلًا بعالم الروح، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85]. وكيف إذا كنا نتحدث أيضًا عن عالم خفيٍّ عنَّا من حيث الإجمال، وتأثيرات يمكن أن تتصل بأنواع شتَّى، لا يزال العلم يكتشف يومًا بعد يوم كثيرًا من أسرار هذا الإنسان، وما يمكن أن يؤثر فيه من غير الحسِّيَّات، من غير الأمور الماديَّة، ويكتشفون في ذلك أمورًا عجيبة. لكن أن يُظَنَّ أن هذه الحالات التي تُصيبها هذه الكسور التي رأيناها، وهذه الجروح القطعية، والنزيف البالغ الذي وصفته الدكتورة، هذا إنما هو من الأوهام والخرافات؛ وهذا إنما هو من محاولة تبرير الأهل لتقصيرهم في رعاية أولادهم، ومن محاولتهم التنصُّل من المسؤولية الملقاة على عواتقهم بأهمية حفظ الناشئة ورعايتهم الرعاية السليمة، وتربيتهم التربية القويمة، فلا يسوغ لهم أن يتخلَّصوا من هذه المسؤولية. وكذا الحال بالنسبة أيضًا للبالغين، فإنهم كثيرًا ما يحاولون أن يبرِّروا إخفاقاتهم وإهمالهم وفشلهم أيضًا بأنه إنما كان بسبب الحسد، أو العين، أو السحر، أو الضرِّ الذي أصابهم من الجن أو غير ذلك من الأسباب، في حين أنهم يكونون هم المقصِّرين المتخاذلين الذين يواجهون خطوب الحياة بضعف، وبعدم تمسُّك بما أمرهم الله سبحانه وتعالى به، وتكون قلوبهم فارغة من ذكر الله عز وجل. ولكن هذا كله لا ينفي أن يُصاب الإنسان، أن يُبتلَى الإنسان – حتى ولو كان متمسكًا بشرع الله عز وجل، مكثِرًا لذكره – أن يُصاب بشيء من هذه التأثيرات؛ لأن هذه التأثيرات ممكنة كما ثبت فيما تقدَّم. ومن ذلك – من أشهر ما يمكن أن نستشهد به في هذا السياق – قصة، وسنذكرها باختصار، وهي موجودة في الموطأ، وموجودة عند الإمام مسلم وعند غيرهما، في رواية أبي السائب من طريق أبي سعيد الخدري، أنه دخل عليه في داره وهو يصلِّي، فانتظر، ثم سمع تحريكًا تحت السرير، فيُشير إلى حية، فهَمَّ ليقتلها، فأشار إليه أبو سعيد الخدري إلى أن يكفَّ عنها. فلما فرغ من صلاته أخبره أنه كان في هذا البيت فتى، وقد خرج في غزو – حديث عهد بعرس – وخرج مرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني قريظة، ثم استأذنه ليرجع إلى بعض شأن أهله، فلما رجع إلى البيت وجد امرأته واقفة بالباب، فهَمَّ ليركِز الرمح فيها، فأشارت إليه أن قف، وأشارت إليه أن ينظر إلى سريره، فرأى حية ملتوية بالفراش، ركز الرمح فيها، ثم أخرجها وهي في رأس رمحه إلى الدار – أي إلى صحن البيت – فخرَّ الفتى ريْعًا، حتى إن الراوي – أبو سعيد – يقول: فلا ندري – أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه يقول: فلا ندري أيُّهما كان أسرع وفاةً: الفتى أم الحية. فذهب أهله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرهم صلى الله عليه وآله وسلم أن بالمدينة جنًّا قد أسلموا، وأنكم إن رأيتم شيئًا من هذه الحيات فآذنوا هنَّ ثلاثًا، فإن خرجن وإلا فاقتلوه، ثم أضاف: «فإنما ذلكم شيطان». فهذه الواقعة – وهي واقعة واحدة حُكيت لنا في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أو في سنته – كان الضحية فيها: يعني وصل الحد فيها إلى أنه قد استشهد، إلى أنه مات في الوقت الذي قتل فيه الحية برمحه، إلى درجة أن وفاته لعلها كانت أسرع من وفاة الحية، نعم، وبيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم – عليه الصلاة والسلام – أن تلك الحية التي ركز الفتى فيها رمحه إنما كانت أحد الجن المسلمين، وأن أهله ثأروا له فقتلوا هذا الفتى، وأمر أن تُنذَر الحيات في البيوت، واستثنى صلى الله عليه وسلم الحية ذات الطُّفيتين، والطفيتان هما خطان أبيضان على رأس الحية، قال: هذه تُقتل، وسنأتي إلى موضوع إنذار الحيات وقتلهن. الخلاصة: أن هذا التأثير أيضًا لا يعدو؛ يعني ليست هناك – لم تُوصَف حالة الفتى بأنه أُصيب بأعراض عضوية تُرى، وإنما فيما يظهر أنه صُرِع، خَرَّ مغشيًّا عليه ميتًا، أو خرَّ ميتًا كما يخرُّ المغشي عليه، هذا هو الذي أصابه، ليست هناك أعراض بدنية جسمانية ظهرت عليه حتى يُقال بأن السبب وراءها كان الجن، نعم. لكن – كما قلت – حتى إذا ما قلنا بأن التأثير تأثير روحاني أو نفساني أو تأثير خفيٌّ يمكن أن يكشفه العلم في يوم من الأيام، لكن قد يؤدِّي ذلك إلى تأثيرات جسمانية مرضية، إلا أنه ليس منها أن تكون كسورًا بالعظام، أو أن تكون جروحًا تُصيب الناس، أو غير ذلك مما يحاول – كما قلتُ – الأهل أن يبرروا به تفريطهم وتقصيرهم في رعاية الأولاد، نعم. قد يكون أيضًا تأثيرًا عقليًّا، والآية: ﴿الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾، وهذا يعني محتمل لكثير من التفسيرات التي أيضًا يمكن أن يكون للعلم فيها كلمة. لكن الحاصل: أنه ممكن، المشكلة تكمُن في مبالغة الناس، وفي إسنادهم كثيرًا من الحوادث التي لا علاقة لها، أو من الأمراض التي لها تفسير علمي طبِّي صحيح، أو من الحوادث والمصائب التي يمرُّون بها ممَّا يكون السبب راجعًا إلى عوامل داخلية أو عوامل خارجية، إلا أنهم سرعان ما يُسندون الأسباب إلى هذه، إلى تأثيرات الجن أو السحر أو الحسد أو العين، كما قلتُ، هذا من الأخطاء ومن الأوهام التي لا بد أن تُصحَّح. والله تعالى أعلم.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ١٢‏/٨‏/٢٠١٢👁 3 مشاهدة
🎬

علاقة الجن بالإنس 1- للشيخ د كهلان الخروصي 6 رمضان 1433 هـ

الحديث الشريفالعقيدةالمسائل الطبية

✦ فتاوى مشابهة

الفرق بين تأثير الجن والسحر

2 👁

هل هناك فرق بين تأثير الجن وتأثير السحر، وأيهما أثبت، وما هي المجالات التي يمكن أن يظهر فيها تأثير السحر؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٢‏/٨‏/٢٠١٢

إمكان تأثير الجن

2 👁

ما حقيقة إمكان تأثير الجن على الإنس من الناحية الشرعية وما الأدلة على ذلك مع كثرة إسناد الأمراض والعلل إلى الجن والسحر؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٢‏/٨‏/٢٠١٢

تأثير الجن على الإرادة

0 👁

هل يمكن أن يحمل المس أو السحر الإنسان على فعل لا يريده حتى يزول اختياره، أم أن تأثيره مجرد تأثير لا يرفع المسؤولية؟

👤إبراهيم بن ناصر الصوافي
١٣‏/٧‏/٢٠٢٥

حقيقة المس بالجن

2 👁

هل يتحقق مس الجن للإنس، وهل يدخل الجن في جسد الإنسان أم هو تأثير خارجي؟

👤أحمد بن عبيد التمتمي
٢١‏/٥‏/٢٠١٤

تمييز تأثير الجن في التفريق بين الزوجين

2 👁

كيف يعرف المسلم أنه مصاب بضرر من أضرار الجن كأن يكون ضحية للتفريق بينه وبين زوجته بسبب السحر؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٣١‏/٥‏/٢٠١١

متى نحكم أنه مس روحاني

4 👁

إذا أجريت للمريض فحوصات طبية كثيرة وكانت كلها سليمة فهل يسوغ الحكم بأنه مريض بمرض روحاني بسبب تأثير الجن، وكيف يكون التمييز بين المرض العضوي والروحاني ومن يُلتمس عنده العلاج؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٢‏/٨‏/٢٠١٢