⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
عمليا كل ما ذكرناه من مبادئ إيمانية وقواعد خلقية ومبادئ أيضا اقتصادية مالية نلحظها في سائر تشريعات هذا الدين المتصلة بالمال وتنميته واستغلاله والتعامل فيه، لا يمكن –بل لابد– أن تمثل واقعا في مثل هذه المؤسسات.
وبالتالي فإذا كانت البنوك التقليدية تقوم على مبدأ الإقراض والاقتراض، وتنمية أموالها وثرواتها على هذا المبدأ، فإن هذا لا يسوغ في البنك الإسلامي، في أي بنك إسلامي، وليس هذا هو المبدأ الذي قامت عليه البنوك الإسلامية، ولا يصلح أصلا أن يكون المبدأ، وإلا كان مجرد تلبيس على الناس واحتيال، وهذا لا يسوغ شرعا.
وإنما يجب أن يكون على أساس من المشاركة الحقيقية، وعلى أساس من تجنيب الناس في معاملاتهم وفي عقودهم مع البنك كل أنواع الربا المحرم، كل ما حرمه الله عز وجل من ربا، ومن معاملات نهى عنها ربنا جل وعلا، ونهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إذن لا بد أن يُمثَّل ذلك ويتمثل ذلك –أساسا– في النظام الذي يسير عليه البنك: أن يكون اعتباره أساسا لهذا المبدأ، فلا مجال فيه للربا ولسائر المعاملات المحرمة، هذا هو المبدأ الأول.
ثم بعد ذلك تأتي أنواع من العقود، والتي تُسمى في المصطلحات المصرفية أو المصطلحات البنكية بالمنتجات؛ فأنواع الخدمات التي تقدمها المصارف أو تقدمها البنوك، هذه الخدمات المالية تظهر في شكل حزمة، هي عبارة في الحقيقة عن عقود بين الزبون وبين هذه المؤسسة، بين البنك. هذه تُسمى منتجات، هذه المنتجات في عمومها تقوم على مبدأ المشاركة بين البنك وبين الزبون، هذه المشاركة أيضا لابد أن تكون مشاركة صحيحة؛ وبالتالي فإن التكييف الفقهي لسائر المنتجات البنكية –أي لسائر العقود التي يبرمها البنك مع عملائه– لابد أن يكون مبنيا على أسس صحيحة من الشراكة الحقيقية: الشراكة في الربح والخسارة، ومن عدم ضمان رأس المال؛ لأن المعاملات المالية في الفقه الإسلامي لا يصح أن تُبنى على ضمان رأس المال.
وعلى جملة أيضا من أنواع العقود الشرعية التي سنتعرض لها، وهنا يأتي دور هيئات الرقابة الشرعية؛ فإذا وِجهة البنك في أساسه تقوم على إيجاد هذه العقود، هذه المنتجات الموافقة للشريعة، وهنا يأتي دور هيئات الرقابة الشرعية في ضبط هذه المنتجات وفي مراقبة وتدقيق أعمال البنك بما يوافق الأداء الموافق للشرع.
إذن لابد أن تكون هذه المنتجات –أي أنواع الخدمات المتمثلة في عقود، سواء قلنا بأنها عقود مرابحة، أو قلنا بأنها عقود ضمان، أو قلنا بأنها عقود استصناع، أو قلنا بأنها عقود تورق، أو غير ذلك من أنواع العقود، أو مشاركة منتهية بالتمليك– هذه مع وجودها بعقود من حيث شروطها جميعا، لا بد أن تكون موافقة لشرع الله عز وجل، وشرع الله تعالى واسع، وفي تراثنا الإسلامي الكثير من الأصول التي يمكن أن يُبنى عليها والتي تُقاس عليها؛ إذ ليست كل العقود المعاصرة عقودا مسماة في تراثنا الإسلامي، ولا يُشترط أصلا أن تكون؛ لأن الأصل في هذه المعاملات الإباحة إلا ما نهى عنه الشرع.
وهذا يتحقق بضرورة وجود هيئة للرقابة الشرعية تشرف على أعمال البنك وتدقق على سائر هذه المنتجات وعلى العقود والشروط. كما أنه لابد أيضا من وجود هيئة إفتاء، وأنا أرى بأن هيئة الإفتاء لابد –بل ينبغي– لها أن تكون منفصلة عن هيئة الرقابة الشرعية، وأن تكون لهيئة الإفتاء صلة بهذا البنك، والمقصد من هذا هو أن يكون الإفتاء محل ثقة الزبائن الراغبين في التعامل مع هذا البنك؛ بحيث تُنفى عنهم شائبة أن تكون لهم مصلحة –وحاشاهم– وإنما الاحتياط أولى وأسلم، والبعد عن الشبهات لا يعدله شيء، وفي هذا –كما قلت– مصلحة واضحة راجحة للمؤسسة نفسها.