⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا رسول الله الأمين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فإن الله سبحانه وتعالى جعل المال قِوام هذه الحياة، به يستقيم أودها، وتُقضى مصالحها، وتُتبادل منافعها، وقد جعل الله بسبب ذلك النفوس البشرية محبة لهذا المال حبًّا جمًّا، كما يؤذن بذلك قوله تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾، ويؤذن به قوله عز وجل في وصف الإنسان: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾.
ولا ريب أن هذا الحب عندما يتغلغل في أعماق النفس، ويتمكن من سويداء القلب، ويغوص في أعماق مشاعر الإنسان، يمتلك لُبَّه ويسلب عقله، فيكون الإنسان أداة طَيِّعة لشهوة المال، وهذا أمر خطير؛ لأن هذه الشهوة المحكَّمة في النفس عندما تتمكن من السيطرة على عقل الإنسان وتفكيره يصبح هذا الإنسان أداة خطر في مجتمعه وفي أمته وبين بني جنسه؛ فإنه لا يبالي في سبيل إرواء هذا السعار الذي يتأجج بين حنايا مشاعره بكل قيمة من القيم؛ فإن حب المال يجرف بكل ما عسى أن يكون في نفس هذا الإنسان من رحمة أو شعور بحاجة الآخرين أو شعور بوجوب التعاطف مع الآخرين، وهذا بطبيعة الحال يؤدي إلى أن يطأ الإنسان بقدميه على كل القيم، وأن لا يبالي بآهات المستضعفين وزفرات المحتاجين؛ لأنه إنما يهتم بنفسه، فهي التي تهمه، ولا يهمه أي شيء آخر.
وقد يكون بسبب ذلك أيضًا سببًا لأن يثير الرعب بين الناس؛ فقد يكون قاطع سبيل، وقد يترصَّد أصحاب الأموال حتى يفتك بهم أن يستحوذ على أموالهم، ولربما فعل ذلك بأقربائه من أجل أن يرث ما يتكوَّنون من مال، وهذا أمر فيه خطورة بالغة؛ فإن هذا الحب الأعمى يغور جميع ينابيع الفضيلة في نفس الإنسان، ويسد عليها منافذ التفكير، فتبقى أسيرة هذه الشهوة الجامحة المستولية على كل قيمة من قيم الإنسان.
لذلك جاء الإسلام الحنيف بمنهج رباني يعالج هذه المشكلة من أساسها، وهو قبل كل شيء يَعْمُق في النفس البشرية الشعور بأن المال إنما هو مال الله، والعبد إنما هو مُؤتَمَن عليه ومستخلف فيه، فعليه أن يتصرف فيه وفق أمر الله سبحانه؛ فالله تعالى يقول: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾، ويقول: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾، وإذا شعر الإنسان أن المال في الحقيقة هو مال الله، وأنه أمين عليه، وأن منقلبه إلى الله بحيث يحاسبه على ما قدَّم وأخَّر، لا ريب أنه يحرص على أن يكون تصرفه في هذا المال كسبًا وإنفاقًا بحسب ما أذن به الله تعالى، وألا يتجاوز حدود الله فيه.
كيف، والنبي صلى الله عليه وسلم يُنبئ البشر بأنهم مسؤولون عن هذا المال سؤالَيْن، إذ يقول عليه أفضل الصلاة والسلام: «لا تزول قدما ابن آدم من عند ربه حتى يُسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وماذا عمل فيما عَلِم»؛ فلأن كان مسؤولًا عن كسبه فلا ريب أنه يحرص على أن يكون كسبه طيبًا، ولأن كان مسؤولًا أيضًا عن إنفاقه فإنه أيضًا يحرص كل الحرص على أن يُنفق المال فيما يقرِّبه إلى الله سبحانه وتعالى لا حسب ما تقتضيه شهوات نفسه.
ومن المعلوم أن الله سبحانه وتعالى جعل في مشروعية الإنفاق الذي فرضه على عباده من هذه الأموال التي ائتمنهم إياها واستخلفهم فيها هذه المشروعية تجعل النفس البشرية تتحرر من آثار هذه الشهوة الجامحة، وتتفجَّر فيها مشاعر الرحمة، وتحرص كل الحرص على مشاركة الآخرين في محنهم وأتعابهم، ومواساتهم بهذا المال، هذا الذي يتولَّد في نفس الغني عندما يعتاد على الإنفاق.
وقد جعل الله سبحانه وتعالى إنفاق المال على نوعين؛ لأنه إما أن يكون إنفاقًا منظمًا يجب في أصناف مخصوصة من المال ببلوغ قدر مخصوص، ومرور زمن مخصوص، ويُعطى هذا الذي يُنفق على قوم مخصوصين، وإما أن يكون هذا الإنفاق غير منظم بحيث يُوكَل إلى ضمائر ذوي المال، ينظرون حاجات المحتاجين فيسدُّوا هذه الحاجات بما آتاهم الله تعالى من المال.
فالقسم الأول وهو المنظم: الزكاة، التي اختلف العلماء فيها هل تجب في كل نوع من أنواع المال أو أنها تجب في أنواع خاصة من أنواع المال. فالذين يرون أنها تجب في أنواع مخصوصة إنما يستمسكون بالآثار، يستمسكون بما جاء من أخذ النبي صلى الله عليه وسلم زكوات الناس من أنواع خاصة من المال. هذه الأنواع نحن لو فكرنا فيها لوجدناها مما تشتد إليه حاجة البشر، فلذلك يصبح كل الناس من أغنياء وفقراء محتاجين إليها، تتطلع إليها نفوسهم؛ لأن بها قِوام حياتهم.
فالله سبحانه وتعالى كما جاء في بيان السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام فرض الزكاة في أنواع الحبوب التي يحتاج إليها الناس لمَطْعَمهم ويقتاتون لمَعاشهم، وفرض الزكاة أيضًا في أصناف الحيوانات التي يحتاجون إليها من أجل أن يطعموا لحومها، ومن أجل أن يشربوا ألبانها، وأيضًا فيما يكون وسيلة لقضاء المنافع؛ شُرعت الزكاة في الأنعام؛ لأن حاجة الناس إليها قائمة، فالأغنياء غذاء لهم، فالحاجة داعية إليها، وكل أحد تتطلع نفسه إليها؛ الفقير عندما يرى الغني عنده كثرة من الأغنام لا ريب أنه يتطلع إلى ما تحت يد الغني، ويشعر عندما يُحرَم من هذا الخير بأنه حُرم من مشاركة الغني فيما آتاه الله سبحانه وتعالى من فضل.
وكذلك بالنسبة إلى الحبوب؛ لأن الحبوب إنما هي غذاء للناس، يحتاجون إليها، يقتاتون بها، ويُدَّخرونها لمعاشهم، وكذلك بالنسبة إلى النقدَيْن لما يكون من قضاء مصالح الناس بهما؛ فإن المنافع إنما تُتبادَل بهما، فلذلك كانت النفوس تتطلع إلى هذا النوع من المال، فلما كانت النفوس تتطلع إلى ذلك أُمِر بالإنفاق منها بحسب ما شرع، بحيث تكون هنالك أنصبة مخصوصة، ويكون هنالك أيضًا اعتبار لزمن مخصوص وهو الحول، وتكون الحصة التي تُخرج في الزكاة بقدر نسبة مخصوصة مما يكون عليه هذا المال.
وبهذا يتبين أنه لا وجه للمماراة والمجادلة في أوراق النقد، وإن حاول القلة من الناس الذين لم يتشرَّبوا فَهْم الشريعة الإسلامية أن يُجادلوا في ذلك، ويقولوا بأنها غير مالٍ زكوي؛ لأنها ليست من النقد، ليست من الذهب ولا من الفضة، فلا داعي إلى فرض الزكاة فيها. هذا كلام، هذه مجادلة عقيمة، هذه مجادلة عقيمة؛ لأن مشروعية الزكاة في الذهب والفضة لأجل ما يكون من قضاء المنافع بهما، فالأموال إنما تُقدَّر بهما من حيث القيم، وكذلك تتبادل منافعها بهما؛ فإن الإنسان لا يتوصل إلى ما عند غيره إلا عندما يبذل نقدًا في مقابل ما يريد أن ينتقل إليه من منافع مالِه.
فلما كان الذهب والفضة بسبب هذا الاعتبار من الأموال الزكوية، فإذا ما حل محلهما وأدَّى مداهما، وقضى ما يقضيان من أغراض الناس، حَرِيٌّ بأن يكون له حكمهما، وهذا الذي أدركه جمهور علماء الأمة، وهم الذين حققوا ودققوا في هذه القضية، ففرضوا الزكاة في أوراق النقد.
على أنه لو قيل بأن هذه الأوراق لا تجب فيها الزكاة فمعنى ذلك تعطيل الزكاة؛ إذ الناس الآن أصبحوا يُدخِرون هذه الأوراق النقدية، ولا يُدخِرون الذهب والفضة، فإذا أُسقطت الزكاة منهما فقد سقطت الزكاة رأسًا إلا الشيء القليل اليسير، فماذا عسى أن تكون هذه الزكاة التي تأتي من بقية الأشياء مع أنها قليلة جدًّا؟ الزكاة إنما هي فيها.
على أن جمهور علماء الأمة، بل أكثر المذاهب الإسلامية على الإطلاق قالوا بأن الزكاة تجب في عروض التجارة، وكاد ينعقد الإجماع على ذلك لولا مخالفة القليل، فهناك رأي للظاهرية أنها –أي عروض التجارة– لا تجب فيها الزكاة، وهذا أيضًا رأي للشيعة الإمامية بأن عروض التجارة لا تجب فيها الزكاة، وعندهم رأي آخر يتفق مع رأي جمهور الأمة.
والذين أوجبوا هذه الزكاة في عروض التجارة رأوا قضاء هذه المنافع، ورأوا أن هذه العروض تتبادل مع النقدين، فلذلك كانت الزكاة واجبة فيهما، وعلى أي حال هذا مما يدل دلالة واضحة على وجوب الزكاة في أوراق النقد.
وهناك رأي آخر هو رأي الحنفية: أن كل ما يمكن أن يُسمى مالًا تجب فيه الزكاة، أخذًا بعمومات الأدلة الشرعية، كقول الله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ، لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾، اعتبروا أن كل ما يمكن أن يسمى مالًا تجب فيه الزكاة، ولو كان حطبًا أيضًا تجب فيه الزكاة، هذا رأي للحنفية.
أما بالنسبة إلى الأموال الأخرى فإنها وإن كانت عند أغلب العلماء لا تدخل فيما يُعد من الأموال الزكوية –أي الأموال الأخرى التي هي خارجة عن هذه– إلا أنها أيضًا فيها حقوق لذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب، فيها حقوق هذه المصارف؛ بدليل أن الله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ، وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى، وَالْيَتَامَى، وَالْمَسَاكِينَ، وَابْنَ السَّبِيلِ، وَالسَّائِلِينَ، وَفِي الرِّقَابِ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ، وَآتَى الزَّكَاةَ﴾.
فقوله: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ، وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ دليل على أن تلك الحقوق المتقدمة هي من غير الزكاة، بدليل هذا العطف؛ فإن العطف يقتضي المغايرة ما بين المعطوف والمعطوف عليه، وإذا كانت هذه الحقوق هي من غير الزكاة، ولم يأتِ نص شرعي يدل على بيان مقاديرها فإن ذلك مما وكله الله سبحانه وتعالى إلى ضمائر الأغنياء؛ بحيث يُراعون حاجات المحتاجين عندما يرون الزكوات التي يدفعونها لا تسد هذه الحاجات، فإنهم عليهم أن يسدوا حاجاتهم؛ فلو رأى أحد مسكينًا لا يملك قوت يومه وجب عليه أن يدفع إليه قدر غذائه، وكذلك لو رأى عاريًا ليس عنده ما يستر سوأته أو ما يقي به نفسه شدة الحر والبرد، فإنه عليه أن يوفِّر له ما يسد حاجته، وكذلك كل حاجة من أنواع هذه الحاجات.
على أن هذه الأموال أيضًا تُنفق من أجل الوصل ما بين النفوس؛ فإن إنفاق المال مما يقوي العلاقات بين الناس ويمتن الصِّلات، فلذلك قُدِّم ذو القربى في إيتاء هذه الحقوق؛ لأن ذوي القرابة يجب تماسكهم؛ فإن الأسر إنما هي لَبِنات للمجتمع، فمهما كانت العلاقة بين الأسرة قوية كانت العلاقة بين المجتمع الذي يتكون من هذه الأسر أيضًا علاقات قوية، وأدَّى ذلك إلى الترابط، وأدَّى ذلك إلى المودة والرحمة.
هذا، ولا ريب أن هذه الزكاة بجانب كونها ذات أثر على نفوس أصحاب الأموال بحيث إنها تُفجِّر فيها ينابيع مشاعر الرحمة، وتجعلهم يتعاطفون مع الفقراء والمساكين، ويحسون بأحاسيسهم، ويتألمون لآلامهم، ويشاركونهم في آمالهم –أي يسعون إلى تحقيق هذه الآمال– بجانب ذلك أيضًا هذه الزكاة لها أثر كبير على نفوس الذين تُدفع إليهم؛ فإن النفوس –كما قلنا– مجبولة على حب المال، فعندما يكون هذا الفقير يحس بالحرمان، ويحس بأن صاحب الثروة لا يبالي به، ولا يهتم بحاجته، ولا يشتغل بمصالحه، إنما تهمه نفسه، ويحرص على أن يستكثر من الثروة على حساب حاجات الفقراء والمساكين، عندما يحس ذلك يمتلئ حقدًا وغيظًا على أصحاب الثروات.
وقد شُوهد في العالم أثر ذلك عندما طغت الرأسمالية، وكان أصحاب رؤوس الأموال هم المتحكمين في العمال، ولا يبالون بحاجاتهم؛ أدى ذلك إلى انفجار ثورات، وجاءت الشيوعية الحمراء لتلتهم بنارها المضطرم الأخضر واليابس، ولا تُبقي للناس طارفًا ولا تليدًا، حتى عانى المجتمع البشري معاناة كبرى من هذه الثورات الشيوعية، حتى شاء الله سبحانه وتعالى أن تصطدم بنواميس الفطرة، فعادت خاسئة ذليلة كما اقتضت حكمة الله تعالى ذلك.
ولكن هذه تجربة مرت بالبشر، فعليهم أن يدركوا ما في الإسلام من مزايا ومصالح، لو أن الأمة الإسلامية أخذت بهذه المناهج المالية التي جاء بها الإسلام، هذه الأنظمة، النظم المالية، لكان في ذلك خير، وأي خير للإنسانية بأسرها؛ ربما استفادت الإنسانية من المنهج الإسلامي، وعادت إلى هذا الدين لتستقي من ينابيعه ما يسد حاجاتها.
ونحن نتطلع بعون الله تعالى وتوفيقه إلى أن يكون للأمة الإسلامية منهج مالي مستقل يجنب جميع الشوائب من ربا وغش وغرر وغير ذلك، ليكون هذا المنهج نموذجًا عند العالم بأسره، ثم مع ذلك أيضًا يحرص هذا المنهج على أن يُعطى الفقراء حقوقهم من الزكوات والصدقات، وأن يكون هذا المنهج سببًا لحسن العلاقة ما بين الأقربين وغيرهم.