⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن الشورى في الإسلام إنما هي استجابة لما فطر الله عليه البشر، وهي إبلاغ للناس إلى الغاية التي خلقوا من أجلها؛ فالناس خلقوا ليتعاونوا على البر والتقوى، وهذا الذي دعاهم إليه الإسلام دين الله تعالى الحق عندما يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]. ولا ريب أن الإنسان هو قليل بنفسه كثير بأخيه، والعاقل من لا يرضى أن يتحمل مسؤولية وتَبِعَة الأمر الذي يُنَاط به، أو المسؤولية التي يحملها، بنفسه حتى يشرك فيها غيره؛ فإن الله سبحانه وتعالى جعل في الشورى تلاقحًا بين الأفكار بين الناس.
فالشورى مأخوذة من الأيار، والأي هو الجَنِي، ويقال: اشتار العسل يشتاره، بمعنى جناه، فمعنى الشورى أن يشتار الإنسان من غيره الرأي الذي يرجو أن يكون صوابًا، ويرجو أن يكون فيه الخير، وأن تكون فيه المصلحة.
وهذه الشورى هي سُنَّة من سنن الحياة؛ فإن الله سبحانه وتعالى جعل حياة البشر حياة اشتراك، إذ الناس جعلهم الله سبحانه وتعالى يتميزون عن غيرهم من الكائنات التي تشاركهم الحياة في هذه الأرض بما جعل فيهم من خصائص سنن الاجتماع التي تجعل الفرد يشارك الآخرين، وتجعل المجموعة كالفرد في تحمُّل تَبِعَة الأمر ومسؤوليته؛ فلذلك كانت الشورى أمرًا فطريًّا من سنن الله تعالى التي سنَّها في هذه الحياة حياة البشر.
ونجد في كتاب الله تعالى ما يُنبئنا على أن الأمم من قبل كانت تُعنى بهذه الشورى؛ فقد ذكر الله سبحانه وتعالى قصة بلقيس وكيف استشارت قومها عندما ورد إليها كتاب سليمان بن داود عليهما السلام، وقالت: ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ [النمل: 32]، فهو دليل على أن الشورى كان الناس من قبل أن يأتي الإسلام على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمسكون بها تجاوبًا مع حاجتهم الملحَّة إليها.
ولما جاء الإسلام جاء بسُنَّة الشورى من أول الأمر قبل أن تقوم للمسلمين دولة؛ فالله سبحانه وتعالى يصف المسلمين وهم جماعة قليلة كانت توجد بمكة المكرمة بقوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38]، ومعنى هذا أن الشورى كانت مشروعة قبل أن تقوم للمسلمين دولة.
… والمشورة هي –على أي حال– طلب الرأي من قِبَل الآخرين، والاستشارة هي طلب هذه المشورة، أو هذا الرأي من الآخرين؛ فالإنسان مأمور أن يستشير، والنبي صلى الله عليه وسلم عندما كان يقول: «أشيروا عليَّ» إنما كان يطلب مشورة غيره.
… ولا تجعل الشورى عليك غَضَاضَةً، فإن الخوافي قوة للقوادم. يؤمر الإنسان أن يستشير في كل أمر، وأن لا يجعل من هذه الشورى غضاضة؛ كيف تكون غضاضة مع أنها تدل على العقل؟ النبي صلى الله عليه وسلم مع كونه أوفر البشر عقلًا كان يشاور أصحابه، وكانت هذه الشورى نفسها دليلًا على وفرة عقله صلى الله عليه وسلم؛ فإنه كان يريد أن يَجْرِيَ، ويستخرج حَصِيلَة هذه العقول لتنضم إلى عقله، ولتنميته ورأيه صلوات الله وسلامه عليه.