⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فالشورى هي من صميم الإسلام، دين الله تبارك وتعالى الحق، لأن الله سبحانه أرشد إليها في كتابه الكريم.
فعندما وصف عباده المؤمنين قبل أن تقوم الدولة الإسلامية، عندما كانت الحالة حالة سيئة بالنسبة إلى المسلمين، لأنهم كانوا أوزاعًا مشتتين في المجتمع المكي، ولكن مع ذلك وصفهم الله سبحانه وتعالى بأنهم يحرصون على الشورى، وقرن بين ذلك وبين الاستجابة لله تعالى والصلاة عندما قال: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾، فجمع كما ترون هنا بين الشورى وبين إقامة الصلاة والاستجابة لداعِي الله سبحانه وتعالى، وهذا مما يدل على عمق الشورى في حياة الأمة الإسلامية.
فقبل أن يكون هناك نظام للأمة الإسلامية أُرشد المسلمون إلى الشورى، إذ وُصفوا بأنهم ملتزمون لهذه الشورى. ونجد كذلك بعد ذلك في الآيات المدنية الأمر بالشورى في مقام صعب، عندما نُكب المسلمون بما نكبوا به في غزوة أحد بسبب أنهم خالفوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم مرتين: خالفوه أولًا عندما كان يدعوهم إلى البقاء داخل المدينة المنورة ومواجهة العدو هناك، وخالفوه المرة الثانية عندما أمرهم بأن يبقوا مكانهم ولا يبرحوا أمكنتهم، عندما أمرهم بنضح العدو بالسهام مهما كانت الحالة، فغادروا تلك الأمكنة.
ومع ذلك، مع ما جاءت به الشورى من كون المسلمين أصروا على موقف ربما كان فيه شيء من المخالفة لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وما أدى إليه ذلك من صدمة عنيفة جندلت سبعين بطلًا من أبطالهم، إلا أن القرآن الكريم جاء ليؤكد الشورى مرة أخرى، عندما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يشاورهم حتى في هذا الموقف الحرج، مع ما أدت إليه الشورى، إلا أن ذلك إنما هو من أجل المحافظة على هذا النظام، نظام الشورى مهما كانت النتيجة، لئلا يتزلزل هذا النظام ويتضعضع في حياة الأمة الإسلامية.
أُمر المسلمون بأن يحافظوا عليه مهما كانت نتيجته، لأن المحافظة على النظام خير من الخروج عنه والتجاوز عنه.
والشورى في الدين الإسلامي إنما هي في أمر لم يُنص عليه، أما ما نُص عليه فلا تجوز الشورى فيه. نعم، يمكن أن يُتشاور في تطبيق النصوص، كيف تُتخذ الوسيلة لأجل تطبيقها، أما في قبول النص أو عدم قبوله فلا مجال للشورى في ذلك، لأن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾، فلا مجال للتشاور في تطبيق الشريعة أو عدم تطبيقها، لأن ذلك أمر واجب مفروض على الناس.
ولا مجال للتشاور في أمر الربا أو الخمر أو أي شيء من أنواع المحرمات، إذ اجتماع الناس على تحليل شيء مما حرم الله أو تحريم شيء مما أحل الله لا قيمة له، مهما اجتمعوا، ولو اتفقت على ذلك أصواتهم جميعًا.
وبهٰذا تختلف الشورى الإسلامية عن النظام الديمقراطي المعروف في الغرب؛ فإن الديمقراطية إنما هي تعني الرجوع إلى رأي الأكثرية، ولو في هذه الأشياء التي لها أحكام في الدين. فالديمقراطية تعني أن الأكثرية لو اجتمعت على إباحة الربا، أو إباحة الخمر، أو إباحة الزنا، أو إباحة أي شيء من أنواع هذه المنكرات، فإن الأخذ بها هو اللازم عندهم، وهذا مما لا يُقبل في نظام الإسلام قط، إذ الأمر أمر الله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
فما جاء فيه حكم عن الله سبحانه وتعالى فلا مجال لمناقشته، لأن الحكم إنما هو حكم الله سبحانه وتعالى، فالأرض جزء من مملكة الله تعالى الواسعة التي تشمل الكون بأسره، وهذا الجزء لا يستقر ولا يهدأ ولا ينتظم مع سائر مملكة الله تعالى العظيمة إلا عندما يُنفَّذ فيه أمر الله سبحانه وتعالى، ويقوم الناس فيه بشرع الله سبحانه وتعالى الواجب عليهم الأخذ به.