⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هذه نظريات جاءت من قوم فرغت أذهانهم من الإيمان، وخَلَت قلوبهم من اليقين، فهم مقطوعو الصلة بالله سبحانه وتعالى، ومقطوعو الصلة بالتعاليم الربانية، وإنما هم قوم نشؤوا في عالم ماديٍّ منحلٍّ، لا يقيم وزنا إلا للذة التي يصيبها الإنسان، والمنفعة التي يتصورها في حياته، فالحياة لا قيمة لها عندهم، أما الإسلام فهو بخلاف ذلك؛ الإسلام جاء ليبين للناس أن هذه الحياة لها قيمة عظيمة، وأن المرحلة الأولى التي يستقبلها المراهق وهي مرحلة الشباب هذه مرحلة لها خصوصية ما بين جميع العمر؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يُسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، وماذا عمل فيما علِم».
نعم، يُسأل عن العمر؛ لأن العمر هو كما قلت أكثر من مرة وعاء النعم، فهو النعمة الكبرى التي منَّى الله تعالى بها على الإنسان؛ إذ جميع النعم إنما تنسكب في هذا الوعاء، وعاء العمر، فلذلك كان الإنسان مسؤولا عن عمره فيما أفناه؛ إذ لم يُخلَق الإنسان هملا ولم يترك سدى: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: 36-40]. فالإنسان الذي خُلِق ووُهِب هذا العمر عليه أن يتقي الله منذ المرحلة الأولى، وأن ينشأ على تقوى الله تعالى ومحاسبة النفس، وعدم الاسترسال في أهوائها، وعدم الاندفاع وراء رغباتها؛ إذ النفس تُسوق الإنسان إلى الكثير من الزَّلاق والمخاطر، وكل لحظة تمر بالإنسان إن أهملها كانت خسارة لا تُعوَّض؛ إذ لا تعود هذه اللحظة؛ فإن الأنفاس إنما هي على حساب العمر، وهي خطوات الإنسان إلى لقاء الله سبحانه وتعالى؛ والحياة كلها لحظات على لحظات، ينقص العمر مرَّها، وتُؤكَّد آمال البقاء وتزيد.
فلذلك كان جديرا بالإنسان أن يحرص على هذا العمر، وصرفه في الطاعات، وعدم تفويت أي فرصة تُواتيه من هذا العمر لعمل ما يقربه إلى الله سبحانه، وما ينفع به نفسه، وينفع به مجتمعه وأمته؛ وهذه هي المسؤولية الكبرى التي على عاتق هذه الإنسانية.
فلأن كان العمر كله يُسأل عنه، والعمر كله يفنى بسرعة، فإن المرحلة الذهبية من هذا العمر وهي تعد تاج العمر وزينته وبهجته وقوته، وهي مرحلة الشباب، يُسأل عنها العبد سؤالا خاصا: «وعن شبابه فيما أبلاه»؛ لأن الشباب كما قلت هو ريعان العمر وزهرته ونضرته، وربما اندفع الإنسان بسبب دافع من الشهوات إلى ما يشتهيه في شبابه من دون مبالاة بالأخلاق، وإن أُرخي العنان للشاب فإنه سيحطم قيود الأخلاق، وسيتجاوز جميع الحدود؛ فمن هنا كان مسؤولا عن شبابه سؤالا خاصا.
فالقول بأن هذا المراهق يُرخى له العنان ويتصرف كيف شاء، معنى ذلك أنه يرتكب ما يرتكب من الفواحش؛ يزني، ويشرب الخمر، ويسرق، ويقتل أيضا، ويفعل ما يفعل من مُوبِقات. إذًا كيف تُبنى حياة هذا الإنسان الذي يُرخى له العنان هكذا؟ هل الإنسان حيوان؟ الحيوان، الله سبحانه وتعالى جعل له طبيعة تحدُّ من حركته، أما الإنسان، وقد أعطاه الله تعالى من القوة، فإن ما آتاه من عقل يجب أن يكون ضابطا لحركته، وإلا غلبت شهوته عقله، وإذا غلبت شهوته عقله تدنَّى هذا الإنسان حتى يصل إلى مستوى لا يصل إليه الحيوان الأعجم من الدناءة، وأما إذا ضبط شهوته وصانها بما آتاه الله سبحانه وتعالى من عقل ارتقى بذلك، وكان أعلى قدرا من الملائكة الكرام الذين خُلقوا بعقول من غير شهوات، والحيوانات خُلقت بشهوات من غير عقول.
هذه نظرية في منتهى البطلان؛ هذه كلمات يرددونها، تأتي من هنا وهناك من قوم انسلخوا من جميع القيم الإنسانية، من أمثال فيرود الذي قال بأن جلوس الرجل مع المرأة الأجنبية من غير تقيُّد، ومن غير مراعاة لضوابط معينة في هذا الجلوس، وإبداء هذه المرأة مطلق زينتها، هذا مما يهذِّب الغريزة! هكذا قال، ووُجِد من مثل هذا الكلام. نحن كم قرأنا عن حوادث وكوارث عظيمة وقعت في بلاد وصلت فيها الإباحية إلى حدود لا تُتصوَّر؛ يعني قبل أكثر من ثلاثين عاما كنت اطَّلعتُ على أن رجلا اغتصب ثلاثين طفلا وقتلهم؛ هكذا وصلت بهم الإباحية، ووصل بهم الانطلاق من جميع القيود، قيود الفضيلة وقيود الأخلاق؛ فكيف يُراد للإنسان الذي كرَّمه الله تعالى بالعقل، وشرفه بالتكاليف، أن ينزل إلى هذا المستوى الهابط؟ هذه قضية مرفوضة في الإسلام رفضا باتا، ولا يمكن أن تُتقبَّل...