⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم افتح أبواب رحمتك، وانشر علينا ثواب حكمتك، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.
أما بعد، فالجواب: أنه لا يمكن أن نطرد هذه الحالة لعموم بلاد المسلمين؛ فإن بلاد المسلمين تتفاوت في مقدار تمثّل أهل الإسلام فيها للشعائر التعبدية بما يترتب عليها من صلاح للنفوس، وتزكية للقلوب، ومن آثار اجتماعية تظهر في حسن الصلة مع الآخرين، والقيام بالتكافل الاجتماعي، والدعوة إلى خصال الخير، وفي التعاطف والتواد والتراحم بين المسلمين.
نعم، هناك قدر مشترك، وهذا القدر المشترك لا ينبغي أن يُغفل عنه أو أن يُطرح، لكن العلاج إنما يكون بعد تشخيص الداء. نعم، وفي ظني أن مكمن الداء لدى الطرفين: لدى العلماء والدعاة والمربين والمصلحين من جانب، ولدى عموم الناس من جانب آخر.
أما ما يتعلق بأهل الشريعة من دعاة وعلماء، أو مربين ومصلحين، فلا مبالغة إذا قلنا: إن تقصيرًا في الدعوة إلى الخير، والدعاية لمعالم هذا الدين وشعائره، وملامسة ما تتطلع إليه نفوس الناس من معرفة أسرار هذه الشريعة ومقاصدها وحِكَمها التي يمكن أن يجدوا آثارها في نفوسهم، بحيث لا تكون مقتصرة على المستوى العلمي المعرفي النظري دون أن يثبت لهم أثرها في أرض الواقع؛ إذ غالبًا ما يكون العلم تناولًا علميًّا مجردًا.
ولعلهم يزهدون أيضًا في أحيان كثيرة من خطاب الوعظ والدعوة إلى الآثار الاجتماعية الناشئة عن استقامة الفرد على منهج الله تبارك وتعالى، وحسن تديّنه له سبحانه. نعم.
كذلك من تقصير أهل العلم عدم إعطائهم للقدوة في كثير من البلدان؛ فأقوالهم تخالف أفعالهم، وما يدعون إليه من تنظيرات وشعارات لا يرى الناس فيهم أمثلة حية تقنعهم بهذا الخطاب. نعم.
ونحن كلنا نعلم أن هذا مخالف لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل لهدي الأنبياء جميعًا؛ فربنا تبارك وتعالى يقول على لسان نبيه شعيب: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: 88]، فهو منهج للأنبياء؛ لأنهم يقدمون لأقوامهم أمثلة حية وقدوة حسنة لما يدعونهم إليه.
لكن هذا النشاز بين القول والعمل، وبين الشعار والتطبيق، وبين النظرية والالتزام، أفضى إلى ضعف العناية بالالتزام، والتأسي، والتطبيق. نعم، وهذا ينبغي أن يُعترف به، وهو خلل ثانٍ غير الخلل الأول المتعلق بالجهد الدعوي ونوع هذا الجهد فيما يتعلق بالقيام بواجب الدعوة حق القيام، أمرًا بالمعروف، ونهيًا عن المنكر، ونصحًا وتناصحًا، مع التركيز على الجانب الذي يتلمّسه الناس فيما يتعلق بإرضاء نَهَمِهم لمعرفة مزيد من أسرار الشريعة وحِكَمها ومقاصدها وغاياتها في واقع حياتهم، وما يتناول مشكلاتهم. نعم.
هذا الخلل الثاني ينبعث من عدم إعطائهم القدوة الحسنة. نعم.
وأما – يعني إذا يمكن أن نضيف أيضًا إلى ما يتعلق بأهل الشريعة في هذا الصدد – تجريد الدين من أمرين اثنين: من جانب الالتزام، ومن جانب التزكية. ولا أقصد ما ذكرته في البداية، أقصد أن الكثير مما يطرحه علماء الشريعة والمربون والمصلحون والوعاظ والدعاة يأتي مجردًا من التوجه إلى أهمية تأثير العقيدة في صياغة شخصية المسلم؛ لكي يكون ملتزمًا، قائمًا بالحق، مطيعًا لربه تبارك وتعالى، مؤديًا لوظيفته في هذه الحياة، يفصل أثر الإيمان والعقيدة عما يحدثه من حيوية في واقع حياة الناس. نعم.
فيتجه الخطاب إلى الفرع لا إلى الأصل؛ فلا تجد تذكيرًا بالله تبارك وتعالى، والمنقلب الذي يؤول إليه، ولا تجد تشويقًا للنعيم الذي أعده الله تبارك وتعالى بالقدر الكافي الذي يحرّك النفوس، ويجعل هذه النفوس قادرة على الربط بين سلوكها في الواقع وبين معتقدها؛ إذ يندر أن تجد مسلمًا – على مستوى الإيمان النظري – وهو يجادل في منافع العمل الصالح والبر والإحسان والمعروف في واقع الحياة، لكن حينما تأتي إلى ذات السلوك ستجد بونًا شاسعًا؛ لأن أثر العقيدة ضعيف، فلا يتجه الخطاب إلى تعزيز هذا الجانب الإيماني، وغرس العقيدة المحركة لحركة الإنسان الفاعلة في نفس هذا الإنسان، الموجهة لأخلاقه، ولعلاقاته، وصلاته بالآخرين.
تجد أن هذا الجانب يُطرح وللأسف الشديد، يُستبدل به الخوض في معارك جدلية كلامية يُظن أنها من جوهر العقيدة. نعم، فإذا بالشقّة تتسع، وإذا بالعلاقات تتوتر. نعم.
أما في مقابل عموم المسلمين، فكما قلت أيضًا: ليس من الإنصاف أن نعمم، ونحن نحمد الله تبارك وتعالى على نعمته علينا في هذا البلد؛ نحن نلحظ من تفاعل الناس فيما يرغبون في التعرف على أحكامه أنه منبعث من حركتهم في الحياة. نعم.
الحقيقة لو درسنا حتى الأسئلة التي نتلقاها في هذا البرنامج سنجد أن أغلبها يتعلق بالجانبين: جانب الفهم لأسرار هذه الشريعة من كتاب الله عز وجل ومن سنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ويتعلق بالجانب العملي؛ أي ما يطرأ عليهم في حياتهم في كل أبواب الفقه الإسلامي.
على كل، هذا إنما هو من باب الاعتراف بفضل الله تبارك وتعالى علينا، لكننا مع ذلك أيضًا لا ننفي أن قدرًا من هذه المفارقة بين الشعائر التعبدية المحضة وبين آثارها الاجتماعية والنفسية والخلقية، أنه موجود – كما تقدم – لدى عموم المسلمين. نعم.
ومن أسباب ذلك، من أسباب هذا الخلل – أنا جمعت بين السؤالين، جميل، فالتشخيص مع الدواء، الداء مع الدواء – فمن الأسباب: الجهل.
فالكثير من أبناء المسلمين لا يرضى لنفسه، أو لا يغرس في نفسه الطموح ليتعلم ويتفقه، ويدرك أكثر من محاسن هذه الشريعة ومزاياها. نعم.
بل تجد أنه يبذل الكثير من الوقت والجهد والمال في تحصيل معارف قد لا تعود عليه بأي منفعة، ولعله يقضي عمره في وسائل التسلية والترفيه. نعم.
فالجهل هو أُسّ هذه الأدواء التي تصيب الناس، ولا أريد أن أستطرد؛ لأن هذه المسألة – في ظني – متفق عليها.
بعد الجهل يأتي غلبة الهوى؛ فهناك فئة تدّعي أنها غير جاهلة، وأنها تطالع وتقرأ وتتعرف، لكنها في غير المسار الصحيح للأسف الشديد؛ مسارها فيما يتعلق بإرضاء أهوائها وشهواتها، وما يتعلق بزخارف هذه الحياة الدنيا، فهو جهد ضائع مشتّت. نعم.
فلا تجد التوجه الصحيح لمعالجة أدواء هذه النفوس، تفتيش عيوبها، وحملها على الخير والصلاح، والمجاهدة في الله تبارك وتعالى ابتغاء مرضاته في الواقع العملي؛ فطغيان الأثر المادي – الذي هو في المفهوم الشرعي هوى وشهوات، ووساوس نفس، ومطامح دنيوية – على حساب العاقبة، وعلى حساب تزكية هذه النفس والرقي بها في مدارج الكمال الإنساني.
فمن أجل ذلك تجد أن العالم الإسلامي كله – بإحصائيات موثوق بها – أن مقدار ما ينفقه في وسائل التسلية والترفيه، وفي مدن الملاهي، وفيما لا نفع منه، لا يُقارن أبدًا بما ينفقه في سبيل ما يتعلق بالبرامج والأنشطة التي يمكن أن تكون عائدة بقدر من التزكية، وخصال الخير، والتذكير بالعاقبة.
إذًا يعني هذا السبب يتعلق بطغيان أو غلبة الأهواء والشهوات. نعم، والانسيَاق وراءها في خضم مادية طاغية تدفع بالمرء إلى الاقتناء، وإلى ثقافة الاستهلاك على حساب النافع المفيد، على حساب المنهج القَصْد المعتدل الوسط بين الإفراط والتفريط.
من ضمن الأسباب أيضًا – وهذا ينبغي أن يُخص بذكر، ولعلي أختم به – نعم، هذا الجهل وتغليب اتباع الهوى والشهوات أفضى إلى مفارقات في الواقع: تباين بين تفريط وإفراط، بين تمييع للدين وقيمه وشعائره، وبين غلو في الأخذ بها، وهذا كله موجود في الواقع؛ هذا الخواء والفراغ أثمر بيئة مناسبة لنمو أفكار بعيدة عن المنهج القصد الراشد، الذي يوفّق – كما تقدم – بين حركة الإنسان في هذه الحياة الدنيا وبين المآل والمنقلب الذي يؤول إليه، وبين مطامع نفسه ورغباتها، وبين حقوق الآخرين وحقوق الحياة بكل مفرداتها وموجوداتها.
عليه، فهذه الأسباب كلها هي التي أفضت إلى مثل هذه الآثار التي يشير إليها الدكتور مشكورًا في سؤاله، وبتبيّنها يمكن بعد ذلك التعاون على تجاوزها وعلاجها بمشيئة الله تعالى.
والله تعالى أعلم.