⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بالنسبة إلى الدعوة، فمن الخطأ أن يتصوَّر الإنسان بأن الدعوة لا تكون إلا معظَّمة النجاح، هذا من الخطأ.
الله سبحانه وتعالى أرسل رسله إلى أقوام كانوا عُتَاةً متكبِّرين، كثيرٌ منهم أهلكهم الله ولم يستجيبوا للدعوة، أرسل الله تعالى هوداً إلى عاد، وأرسل الله سبحانه وتعالى صالحاً إلى ثمود، وقد أهلك عاداً وثمود، ولم ينجُ منهم إلا القليل الذين أسلموا وآمنوا، وكانوا قِلَّةً مستضعفين في وسط تلك الجماهير التي كانت زائغة عن سواء السبيل، وقد هلكت فيمن هلك، إلا أن الله تعالى كلَّف أولئك أن يبلِّغوا.
وقبل ذلك نوحٌ عليه السلام الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، يواصل الليل بالنهار في دعوة قومه، ويتحين الفرص لدعوتهم، ويَلُون هذه الدعوة بحسب ما يرى من الملابسات والمناسبات، فتارةً يجهر بها وتارةً يسرُّ بها، ومع ذلك أصرَّ أولئك على ما هم عليه، فهلكوا مع الهالكين، ولم ينجُ إلا من كان معه في السفينة، وأولئك هم المؤمنون، هم الذين نجوا، وهم قِلَّةٌ ما بين تلك الجماهير التي غرقت.
وكذلك سائر الرسل إنما أرسلهم الله سبحانه وتعالى إلى قوم عُتاة، أرسل موسى عليه السلام إلى فرعون وملئه، كانوا متكبِّرين، كانوا عُتاة، ما آمن لموسى عليه السلام إلا قِلَّةٌ من قومه، فِتْيةٌ من قومه، لما كانوا يخشونه من سُلْطة المتكبِّرين في الأرض، ولكن مع ذلك ظل داعياً صابراً محتسباً.
وأرسل الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم، وقال في خطابه له: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 6]، سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون، ولكن مع ذلك كان الإنذار فريضةً عليه صلى الله عليه وسلم، مع أن الله تعالى يُخْبِرُه بأنهم سواءٌ عليهم أأنذرهم أم لم ينذرهم لا يؤمنون.
وكذلك: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُتِيَ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [السجدة: 3]، لتُنذر قوماً، أتُرى أنت الذي ترجُو أن يهتدوا أو لأجل أن يهتدوا؟ ولكن أولئك لا يهتدون.
وكذلك في سورة يس، الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس: 10-11]، فمع ما علمه الله سبحانه وتعالى أنهم لا يؤمنون، ولكن كان الإنذار لا بد منه.
فإذاً على الداعي أن يبلِّغ الدعوة، سواء آتت ثمارها أو لم تُؤْتِ ثمارها، وما عليه أن يهديهم، ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 21-22]، الرسول صلى الله عليه وسلم هكذا يُخبره الله بأنه مجرد مذكِّر، لا يستطيع أن يسيطر على القلوب، لأن السيطرة على القلوب إنما تعود إلى الله سبحانه وتعالى، والله تعالى يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: 272]، وكم من الآيات التي نزلت على هذا.
فإذاً هكذا على الداعية أن يكون حريصاً على إبلاغ الدعوة، سواء آتت ثمارها أو لم تؤتِ ثمارها.
كما كان في بني إسرائيل: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: 163-165].