⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
النبي صلى الله عليه وسلم كان أحنَّ على الناس من الأم الرؤوم والأب الحاني، وكان عليه أفضل الصلاة والسلام ألطف بالناس من كل لطيف، وكان حسن المعشر مع الجميع، مع المؤمن والكافر والبر والفاجر، كان حسن المعشر مع الجميع، والله سبحانه وتعالى يبين كيف كان عليه أفضل الصلاة والسلام رقيق المشاعر، حسن المعاملة، لطيفاً في أخذه وعطائه مع الناس، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159]، يعني المؤمنين.
يأمر الله سبحانه وتعالى مع ذلك أن يزداد لطفاً ويزداد رِقَّةً معهم، مع أن هذا الموقف الذي نزلت فيه هذه الآية الكريمة كان موقفاً وقع فيه المسلمون في خطأ، عندما خالفوا النبي صلى الله عليه وسلم في رأيه فيما يتعلق بمواجهة الكفار يوم أحد، ومع ذلك أيضاً وقعوا في خلاف آخر، وقد أدَّوا ضريبة هذا الخلاف، وأدّى الأمر إلى أن يُصاب المسلمون بنكبة ما نسوها أبداً بل ارتسمت في عقولهم، كل ذلك من أجل أن تتهيأ هذه الأمة لتحمل هذه الرسالة، وأن تكون أمةً صابرة مُصَبِّرة، وفي هذا الموقف يأمر الله تعالى بأن يستمر على هذا: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾، ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾، يأمره أولاً بالعفو عن إساءتهم من حيث إنهم خالفوا أمره، ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾، ومع ذلك أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم متحنّناً تجاههم بحيث يسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لهم هذه الزلّة التي وقعوا فيها، ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، ومع ذلك أيضاً يتودّد إليهم بالمشورة بحيث لا يقطع استشارتهم فيما يعنيه من الأمور.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم مضرب المثل في العدالة مع القريب والبعيد والبغيض والحبيب، كان عدلاً مع المؤمن والكافر، لا مع المؤمن فحسب، هكذا كان منهجه الذي سار عليه تجسيداً للقرآن الكريم الذي جاء فيه قول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: 135]، وكذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].
ولذلك نزل القرآن الكريم ليبصِّر النبي صلى الله عليه وسلم بتآمُر بعض الناس، حيث تآمروا مؤامرة غير مقبولة شرعاً على يهودي وألصقوا به تهمة وهو بريء منها، نزل في هذا قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَلَا تُجَادِلْ عَنْ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا * هَأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا * وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: 105-112]. هذا كله من أجل تبرئة ساحة يهودي مما أُلصق به من التهمة التي كانت غير حق، ولا يجوز إلقاءها به، فإذاً النبي صلى الله عليه وسلم كان يسير على هذا النهج، لأنه كان قرآناً يمشي على الأرض، هكذا كان عليه أفضل الصلاة والسلام.
فهو تعامله مع الناس على اختلاف أطيافهم كان التعامل العادل، وهذا لا يعني أنه كان لا يفرّق بين المؤمنين وغير المؤمنين من حيث المودة ومن حيث العطف والرحمة، فلا ريب أنه كان أعطف وأرحم بالمؤمنين، ولكن مع ذلك كان يريد لغير المؤمنين أن يؤمنوا ليسعدوا بالرحمة، ولذلك عاتبه الله تعالى عتاباً لطيفاً إذ كان يحمل هماً عظيماً بسبب إعراض قومه عن الإيمان به وبدعوته، وقال تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: 6]، وقال: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 3]، كل ذلك ما يدل على حسن خلقه صلى الله عليه وسلم وحرصه على هداية الناس.