⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم افتح لنا باب رحمتك، وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم، وفهّمنا ما لم نفهم، واهدنا إلى الطريق الأقوم، إنك أنت العزيز الأكرم، وأنت الرب، وأنت الحكم.
أما بعد؛ فإن نبينا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «تداووا عباد الله، فإن الله عز وجل لم ينزل داءً إلا وأنزل له دواء، علمه من علمه، وجهله من جهله»، وهو عليه الصلاة والسلام القائل: «فر من المجذوم فرارك من الأسد»؛ لِيُرسيَ بذلك منهجا يحفظ به المسلم مقصدا من المقاصد الكلية لهذا الدين، وهو حفظ النفس، ومنع الإضرار بها، والإضرار والإيذاء بالآخرين.
فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يستعيذ من كل الأمراض والأسقام والأوجاع، حيث ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان مما يستعيذ منه قوله: «اللهم إني أعوذ بك من البرص والجنون والجذام ومن سيئ الأسقام»، وكان يلتمس الدواء، ويسأل عنه، ويتداوى هو عليه الصلاة والسلام، ويحث أصحابه رضوان الله تعالى عليهم على التداوي.
لم يزعم أحد منهم أن ذلك فيه مناقضة للتوكل على الله عز وجل، أو أن ذلك يتنافى مع حقيقة الدِّيانة لله تبارك وتعالى بالطاعة والرضا بالقضاء والقدر.
فكيف إذا كان الحال متعلقا بوباء منتشر مستطير، منع الناس عن بيوت الله عز وجل، ومنعهم عن التواصل والتقارب، ومنعهم عن التعلُّم في مدارسهم ومعاهدهم وجامعاتهم إلا عن بُعد، وعطَّل كثيرا من وجوه الحياة الاقتصادية والمعيشية والاجتماعية، ومن اللقاءات والتواصل، وأثَّر في مختلف وجوه هذه الحياة.
وبعد أن منَّ الله عز وجل على البشرية باكتشاف الطعومات التي تقي من هذا الوباء، يتأخر بعض الناس اتباعا لإشاعات كاذبة، ولزيف علمي، في الوقت الذي يؤكد فيه العلماء والأطباء وأهل الاختصاص من أهل بلدنا قبل غيرهم، من وطننا العزيز هذا قبل غيرهم من العلماء والأطباء ومن المنظمات والجهات المعنية.
فكيف يتردد بعد ذلك عاقل في أخذ اللقاح اللازم أو التطعيم الذي يمكن أن يقيه بإذن الله تبارك وتعالى من شر هذا الوباء؟ كيف يُطالب الناس بالعودة إلى الحياة بطبيعتها، ومع ذلك يمتنعون من أخذ التطعيمات التي تمكنهم وتسهِّل بإذن الله عز وجل أن يعودوا إلى الحياة بطبيعتها، وبوجوهها التي ألفوها ويرغبون فيها؟
ثم كيف يسمحون لأنفسهم بنشر الإشاعات، وبتتبع هذه الإشاعات، وكأن القائمين على شأن الصحة، وكأن أهل العلم والوجاهة والفضل والمنظور إليهم لا يعنيهم أمر الناس، في الوقت الذي كان فيه هؤلاء في الصفوف الأولى في إعطاء القدوة وضرب المثل من أنفسهم في المبادرة، متوكلين على الله تبارك وتعالى، وواثقين في المعلومات الصحيحة التي تنشرها الجهات المعنية ذاتُ الاختصاص المسؤولة عن الصحة، ليس في هذا الشأن وحده، وإنما في سائر أمور الصحة: في الأمراض، وفي العلاجات والأدوية، وسبل الوقاية، وفي التطعيمات اللازمة لهذا الإنسان منذ ولادته إلى أن يشبَّ ويصير بالغا، ومتى ما استجدَّ شيء من هذه الأمراض تتظافر الجهود، ويسعى الإنسان إلى اكتشاف هذه اللقاحات اللازمة.
تُبذل فيها جهود كبيرة، وأموال طائلة، وتُستغرَق فيها من الطاقات ما يصعب وصفه، ثم يأتي إنسان جاهل، أو أنه مُضَلَّلٌ به أو مُغَرَّرٌ به بدعوى زائفة باطلة، فيكون سببا لإصابة نفسه وإصابة غيره بالضرَّاء، وبالأمراض، ويكون معطِّلا لسرعة زوال هذا البأس عنَّا.
فلذلك لا ينبغي للناس أن يتهاونوا في أمر أخذ التطعيمات، وأن يتراخوا أو يتكاسلوا عن المبادرة؛ ينبغي لهم أن يعطوا من أنفسهم القدوة، وأن يأخذوا بالأسباب، وأن يتوكلوا على الله تبارك وتعالى بالتماس الدواء، وبأخذ التحصينات التي تعجِّل بإذن الله عز وجل من تحقيق ما يرغبون فيه: من عودتهم إلى المساجد، ومن تآلفهم وتقاربهم، ومن تمكُّنهم من أداء العبادات على الوجه الأكمل، ومن زيارتهم لأرحامهم وتواصلهم معهم، ومن ممارستهم لوجوه حياتهم وكسب أرزاقهم.
فإن كانوا لا يكترثون لأمر أنفسهم، فكيف لا يكترثون لأمر أسرهم من آباء وأمهات، من أقارب وأرحام مسنِّين، من أطفال ويافعين في أسرهم وفي جيرانهم ومن ذوي قرباهم؟ كيف لا يكترثون بأولئك الذين دفعتهم الظروف إلى الانزواء عن ممارسة أعمالهم وكسب أرزاقهم، فعانوا الأمرَّين من جرَّاء ذلك؟ أَلا يكونون سببا للتعاون على البر والتقوى، وعلى الخير، وعلى عودة الأمور إلى طبيعتها، والأخذ بالأسباب التي يمكن أن ترفع هذا البلاء؟
وقد كان النداء من أول الأمر أننا أهل إيمان، لا نفرِّط في وجه من الوجوه التي تكون بها الحماية والوقاية ويكون بها التحصين، لا من الأسباب المادية العلاجية والوقائية، لا من الأدوية أو التطعيمات اللازمة، ولا من الأسباب الإيمانية أو الروحية والمعنوية من الضراعة والدعاء والصدقة، ومن ترك ما يمكن أن يُسخِط الله تبارك وتعالى بالتوبة النصوح والاستغفار والإكثار من ذكره.
نعم، فكيف حينما تحين أمثال هذه الفرص، ويكون المجال مفتوحا للمسلم لكي يكسب أجرا من الله تبارك وتعالى وثوابا، لأنه يقي نفسه امتثالا لما تقدَّم من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال: «فرَّ من المجذوم فرارك من الأسد»؟ إذا كان الحال في ما يَبلُغ المسلم من أمر إصابة أحد بجذام أن عليه أن يفرَّ عنه، فكيف وقد أتيح ما يمكن أن يقيه، أن يُحصِّنه بإذن الله تعالى وفضله من الإصابة؟ كيف يتردد في ذلك؟
كيف لا يفكر في الجهود والأموال؟ كيف لا يفكر في معاناة إخوانه العاملين في المجال الطبي، الذين هم لأكثر من عام لم يتمكنوا أن يخرجوا لممارسة حياتهم مع ذويهم وإخوانهم، هم في الصفوف الأولى يقدمون هذه الخدمات، مضحِّين بأنفسهم وجهودهم وأوقاتهم، ومعرِّضين أنفسهم للخطر؟ كيف لا يفكر فيهم؟ كيف لا يفكر في معنى أننا جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، وأننا صفٌّ واحد؟ أم هي مجرد شعارات، حينما تأتي أدنى فرصة لإثبات حقيقتها نتهاون عنها، ونتكأ، ونتراخى، ونتبع الدعاوى الزائفة والإشاعات الباطلة؟
نعم، هذا لا ينبغي لنا في هذا البلد الذي طالما أعطى أهله القدوة الحسنة والمثال الطيب، وينبغي لهم أن يكونوا كذلك في السَّراء والضَّراء.
نسأل الله تبارك وتعالى أن يرفع هذا البلاء، وأن يمنَّ علينا بلطفه ومَنِّه وفضله بزواله وارتفاعه عنَّا وعن البشرية كلها.
والله تعالى أعلم.