⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لا، الصحيح أنها مختلفة.
لنأخذ أشهر هذه القواعد: القواعد الفقهية، وتعرّفها تقدّم. القواعد الأصولية مختلفة؛ القواعد الأصولية هي القواعد التي يُراد بها بيان كيفية استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها.
فحينما نقول –مرة أخرى بالمثال يتضح المقال–: "الأمر للوجوب"؛ فإن هذه قاعدة أصولية يُراد منها أن نعلم أن الأصل في الأمر الشرعي أنه للوجوب الشرعي، أن الحكم المأخوذ من الدليل الذي فيه فعل أمر هو الوجوب. فهي قاعدة مجردة لا علاقة لها بالجوانب التكليفية العملية؛ فنحن بحاجة إلى دليل حينئذ حتى نعمل فيه هذه القاعدة الأصولية، فالقواعد الأصولية هي منهج لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها، فهي لا بد أن تقترن –لتعمل– بالدليل الشرعي.
فنقول: الأصل في الأمر أنه للوجوب، فقولُه تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43]، هذه أوامر، ولم يأتِ لها صارِف، فحكم إقامة الصلاة هو الوجوب، وحكم الزكاة هو الوجوب.
وبهذا يتبيّن أن بين القاعدة الفقهية والقاعدة الأصولية فرقين أساسين:
الفرق الأول: أن القاعدة الفقهية –في الغالب– تنتظم أحكامًا شرعية قد تكون في ذاتها حكمًا شرعيًّا، كما تقدّم: "الضرر يزال"، أو: "الضرر مرفوع"، أو: «لا ضرر ولا ضرار»، هذه أحكام شرعية أُخِذت من أدلة شرعية، بينما القاعدة الأصولية لا تكون حكمًا شرعيًّا، وإنما هي وسيلة لاستنباط الحكم الشرعي من الدليل.
والفارق الثاني: أن القاعدة الفقهية تُؤذِن بالعلة أو المناط الذي بُني عليه الحكم؛ فحينما نقول: "المشقة تجلب التيسير"، فهذه قاعدة من قواعد الضرورة، فهِم هذا من قولنا: المشقة، و"أن الضرورات تبيح المحظورات"، وهي من فروع هذه القاعدة الكلية؛ إذًا فُهِم من هذه القاعدة الفقهية مأخذُها أو علتها أو مناطها كما يقول علماء الأصول.
أما القاعدة الأصولية فلا يلزم أن تُفهِم العلة أو المناط، وإنما هي قواعد علمية ومنطقية وعقلية رُتِّب عليها منهج بناء الأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلية.
ذكرتم مصطلح القواعد الكلية؛ القواعد الكلية هي في أصلها قواعد شرعية، قواعد فقهية، وهي خمس كما أشرتم؛ سُمِّيت كلية مع أن الأصل في القاعدة الفقهية أنها أصل كلي، لكن هذه القواعد الكلية الكبرى –كما يُقال– لأن تحتها تندرج قواعد فرعية كثيرة جدًّا، وفروع وجزئيات فقهية يكاد يكون لا حصر لها في أبواب الفقه المتنوعة.
وهي: قاعدة "الضرر يزال" –بألفاظ مختلفة–، وقاعدة "المشقة تجلب التيسير"، و"اليقين لا يزول إلا بيقين مثله"، و"الأمور بمقاصدها"، وهذه القاعدة في الحقيقة لها الصدارة، وقاعدة "العادات محكَّمة" وتسمى قاعدة "العرف".
ونأتي لمثال لقوله: "العادات محكَّمة"، وتسمى قاعدة العرف: لو قال رجل: عليَّ لفلان مائة، أدفعها له في كذا، فإن العُرف يصرف هذا العدد إلى أن يكون مُمَيَّزًا بعملة أهل البلد، ولو لم يذكر. هذه العادة تدخل في هذه الحالة في الالتزامات والحقوق المالية.
العادة محكَّمة في أعراف التجار؛ قد يستقر عرفهم على مكاييل معينة يتبايعون بها ويشترون، فحينئذ تكون عادة هؤلاء التجار محكَّمة يُلجأ إليها إذا ما حصل اختلاف. لدى أصحاب المهن الأخرى قد يوجد أيضًا أعراف مستقرة شائعة ذائعة جارية، فحينئذ تُحمَل هذه الأحكام الشرعية على هذه القاعدة.
بقي أن نتعرّف على الضابط الفقهي: لا سيما في الأعصر المتأخرة؛ فإن كلام المتقدمين عن القواعد الفقهية يُدخلون فيه الحديث عن الضوابط؛ فيقولون: ضابط هذه المسألة كذا، ويذكرون قاعدة فقهية، أو يقولون: الضابط في كذا هو… ويذكرون قاعدة فقهية.
لكن في هذه العصور المتأخرة انصرف استخدام كلمة "الضابط الفقهي" لكي يكون القاعدة الفقهية التي تنتسب جزئياتها إلى باب فقهي واحد؛ مثلًا: قاعدة "ما جاز بيعه جاز رهنه"، أو: "ما صح بيعه صح رهنه"، قاعدة واحدة، هذه لا تنتسب إلا إلى باب البيوع والرهن، ليست فيها تطبيقات في الطهارات، في العبادات، في الصيام، في سائر أنواع البيوع الأخرى، وإنما تنتسب إلى البيوع فقط، لا إلى أنواع أخرى من المعاملات المالية والعقود.
من أجل ذلك هذه لا تكون قاعدة فقهية بالمصطلح، بالتعريف الاصطلاحي الذي استقر عليه الاستخدام اليوم، وإنما تُسمى ضابطًا فقهيًّا.
والله تعالى أعلم.