⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لا شك؛ لأنها طالما نتحدث عن قواعد فقهية، والفقه يتناول أعمال المكلفين، فإن هذا يعني أن كل ما يتصل بهذا البناء، هذا النظام المتكامل الذي ارتضاه الله تبارك وتعالى في شريعته الحنيفية السمحة لعباده، مشتملةٌ منطويةٌ على ما فيها من أسرارٍ خُلُقيةٍ ومن حِكَمٍ ومقاصد.
خذ أشهرها: "الأمور بمقاصدها"؛ هذا الفعل نفسه –"الأمور بمقاصدها"– الذي جُعِل أساس القواعد الكلية، قد يكون الفعل في ظاهره موافقًا للشرع، لكن قصد المكلَّف من ذلك الفعل هو الذي يُرتَّب عليه الثواب أو العقاب؛ حتى كلمة التوحيد: إذا أتاها موحِّدًا ذاكرًا لله عز وجل فإنه يُؤجر على ذلك، أما إذا أتى بها على سبيل الاستهزاء –والعياذ بالله– فإن هذا شرك، مع أن الكلمة هي الكلمة؛ لماذا؟ لأن الأمور بمقاصدها.
وقِس على ذلك سائر القواعد؛ يعني: "لا ضرر ولا ضرار"، فهذه القاعدة أيضًا قاعدة كلية، ما جاءت إلا لرفع الضرر والفساد عن الناس، عن البيئة، عن الحياة بكل ما فيها؛ لا يعني هذا أنها تقتصر على علاقات الناس فيما بينهم، بل إنها تمتد لتشمل رفع الأذى والفساد عن هذه الحياة؛ فإذا هي مشتملة على المبادئ الخُلُقية التي نحتاج إليها.
سأذكر مثالًا –حتى أيضًا لا نكثر قليلًا من أكاديمية الطرح– من القواعد الفقهية اللطيفة: "إذا تعارضت فضيلتان قُدِّمت أُولاهما"؛ عندنا مريض يعاني، يأتي الطبيب، الآن هو بين فضيلتين: الترفق بهذا المريض ومراعاة مشاعره، أو الصدق معه؛ فأيهما يُقدَّم؟ الصدق؛ لأن الصدق من أصول الأخلاق عندنا، والصدق لا يعني أن يأتي به أيضًا في عنفٍ وقسوة؛ لا، يأتي به بترفق، لكن هنا لو قُدِّر أنه بين أن يترفق به فيكتم عنه ما هو فيه، وبين الصدق معه، فإن الفضيلة الراجحة هنا: الصدق، على أن تكون في شيءٍ من الترفق.
عكس هذه القاعدة: "إذا تعارضت مفسدتان دُفِعَت المفسدةُ الأعظم بالمفسدة الأقل"؛ بدن هذا الإنسان أُصيب بداءٍ عُضال، فكان لا مناص من بتر العضو المصاب حتى لا يستشري المرض؛ لا مناص، لا مفر، وفيه ضرر، لكن هذا الضرر أقل من فوات النفس؛ ففي هذه الحالة يُقدَّم بتر العضو؛ لأن مفسدته أدنى من فوات النفس التي هي مفسدة أعظم؛ فتُدفَع المفسدة الأعظم بالمفسدة الأقل.
ومن القواعد أيضًا التي كان الفقهاء يذكرونها: "إن تيقن الهلاك فعليه أن يختار الأيسر"؛ يذكرون مثالًا لمن كان في البحر، وأصاب المركبَ حريقٌ، فهل يمكث في المركب ليموت احتراقًا، أو يقفز إلى الماء وهو لا يعرف السباحة ليموت غرقًا؟ أيهما الأيسر؟ أيهما يختار؟ عليه أن يختار الأيسر في حقه، هذا مع تيقن الهلاك… كيف نستفيد من هذه القاعدة في واقعنا المعاصر؟ من القضايا الطبية الشائكة التي تناقشها المجامع الفقهية ما يُعرف بسياسة عدم الإنعاش؛ بعض المرضى الذين يحتاجون إلى إنعاشٍ قلبي أو تنفسي، لكن يرى الطبيب أنه لا جدوى من هذا الإنعاش، وأن هذا الإنعاش بالصعق الكهربائي سيؤدي إلى كسر أضلاعه، وإلى معاناته، وإلى تفويت أن يكون –بالمعنى الإيماني الذي أشرتم إليه– يستطيع أن يُوصي، وأن يذكر الله تبارك وتعالى، وأن يأتي بالشهادة في ذلك الموقف؛ سيفوت عليه كل ذلك؛ لأنه يريد أن يُحدِث فيه تلك الصدمة الكهربائية مع علمه أنها غير ذات جدوى؛ فإذًا الأولى في حقه أن يُختار له الأيسر، لا أن يُختار له ما فيه إيلام ومعاناة؛ والأيسر في هذه الحالة ألّا يقوم بإحداث الإنعاش؛ لأنه لا جدوى من إحداث الإنعاش.
يعني: هذه نماذج من تطبيقات نحتاج إليها، تؤكد ما تقدم من بيان أهمية القواعد الفقهية؛ أنها تُثبِت للمسلمين جمال شريعتهم وواقعيتها أيضًا.
والله تعالى أعلم.