⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فقبل الإجابة على هذا السؤال لا بد من التمهيد له ببيان معنى هذه القاعدة الكلية، فإن قاعدة الأمور بمقاصدها هي من القواعد الكبرى، من القواعد الفقهية الكبرى التي تندرج تحتها الكثير من الجزئيات، بل تشتمل على جملة أيضًا من القواعد الفرعية، وإجراء تطبيقات منبثقة عن هذه القاعدة، لا سيما إذا كانت هذه التطبيقات معاصرة هو عين مقصود القواعد الفقهية؛ لأنه ليس من الحكمة إيراد أمثلة تكررت لتطبيقات القواعد الفقهية، سواء كانت من القواعد الكبرى أو كانت من القواعد الوسطى أو من القواعد الصغرى، وتتكرر هذه الأمثلة التي يذكرها الفقهاء، إذ لم توضع القواعد لهذا المقصد، وإنما وضعت –نعم– لانتظام أو أن تشمل هذه الفروع الفقهية، تسهِّل على طالب العلم، لكن يُراد منها مقصد أسمى، وهو أن يتمكن من المستجدات والنوازل ببيان أحكامها الشرعية بالعودة إلى هذه القواعد الكلية، وهذا يُورث الفقه الإسلامي حيوية، ويورثه حركة مع حركة الناس في هذه الحياة، فيتمكن هذا الفقه من استيعاب هذه المستجدات ومن إيجاد الحلول المناسبة لها وفقًا لقواعد منضبطة.
الآن لو نأتي إلى قاعدة الأمور بمقاصدها: ما معنى الأمور؟ الأمور يُراد منها الأعمال والتصرفات والأقوال والعقود، لا يُراد منها الأماني والأوهام والأحلام، لا بد أن يكون هناك تصرُّف: عمل، قول أو فعل، عقد يبرمه هذا الإنسان، فحينئذ يكون هذا الأمر محكومًا عليه بناءً على المقصد منه، على قصد المكلف من إتيان ذلك الفعل أو ذلك التصرف.
فإن كان قولًا –لنضرب أمثلة حتى تتضح الصورة– وقد مثَّلتُ سابقًا بكلمة التوحيد: فمن أتى بها توحيدًا لله عز وجل وتعظيمًا له جل وعلا، أو ذكرًا له، أو أيَّ غرضٍ مشروعٍ، فهذا يعني مأجور، فعلًا صالحًا يُثاب على فعله. لكن من أتى بها بقصد الاستهزاء –والعياذ بالله– أو التحويق والسخرية فإنه آثم، مع أن الكلمة هي الكلمة، لكن الأمور بمقاصدها.
من زرع عنبًا وهو يريد أن يترزق منه بالاتجار فيه ببيعه، وبأن ينتج عنه ما هو مباح شرعًا، فلا إشكال في هذا، كسبٌ مشروع، لكن من تم قصده لكي يُعصر خمرًا، أي لكي يُعصر العنب خمرًا، فإنه آثم منذ لحظة زراعته للعنب ما لم يتب إلى الله تبارك وتعالى، لأن الأمور بمقاصدها.
إذا عندنا الآن قول وعمل، لنأتِ إلى عقد، من أقرض آخر قرضًا في ظاهره قرض حسن، لكنه يتوخى ازدياد القوة الشرائية للعملة المقترِض حتى ينتفع من ارتفاعها، من ازدياد القوة الشرائية للعملة التي جرى بها القرض الحسن، فإن هذا من الربا المحرَّم كما يدل عليه كلام شيخ الخطباء رحمه الله تعالى وطائفة من الفقهاء؛ إنما المقرِض إنما قرر إحالته قرضًا حسنًا لا يبتغي إلا أن يعينه على نوائب الدهر، وأن يحقق له مبتغاه من الأمور المشروعة، فهذا مأجور مثاب على فعله.
لكن لنوضِّح الأولى التي نقصِدها: إن قصد هذا المقرِض والمقترِض، قصده أن يستفيد، وكان يتوقع مثلًا أن ترتفع القوة الشرائية لتلك العملة، فهو يريد، سيرد له المثل: أخذ منه ألف ريال سيرد له ألف ريال، لكن الألف ريال يوم السداد ستكون أقوى شرائية، ستكون قوتها أعلى، وهو يتلقى ذلك، يريد ذلك، ويقوم بحساباته وهو ينوي ذلك، فهذه منفعة متحصلة من هذا الإقراض، فصارت داخلة في الممنوع شرعًا؛ لأن كل قرض جرَّ نفعًا فهو ربا، بناءً على هذه القاعدة: أن الأمور بمقاصدها.
الآن لو نأتي إلى خصوص المسألة التي سئلت عنها، وهي من المستجدات –إن لم يكن ذلك متاحًا– وهو أن يختار الأبوان جنس المولود، ويُعتقد أنه لا توجد أدلة تفصيلية مثلًا، هذه المسألة داخلة في هذه القاعدة الفقهية، هذه القاعدة الكلية تشتمل على مثل هذه المسألة المستجدة.
والسبب هو: أولًا انتفاء الأدلة التفصيلية عن خصوص هذه المسألة، وهي اختيار جنس المولود من الأبوين. ثانيًا: أن هذه المقاصد التي ذكرتموها مقاصد مشروعة؛ كأن يكون محرومًا من البنين، عنده بنات فهو لا يتسخَّط قضاء الله تبارك وتعالى، وإنما يبغي الولد الذكر، وهذا أمرٌ مشروع، ولا يُحتج بأن هذا يخالف ما قسمه الله عز وجل للعباد؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لما ساغ أن يُعالَج العُقْم، لأن الله تبارك وتعالى يقول في نفس الآية: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى: 49-50]، لكن الله تعالى لم يمنع العباد من التماس العلاج، بل أمرهم بالتداوي، وندبهم إلى طلب العلاج وإلى الاستشفاء، فما يمكن أن يُقال في العلاج من العقم يمكن أن يُقال أيضًا في الحالات الأخرى، فهذا أمرٌ مشروعٌ نظرًا لهذه المقاصد.
أما إذا كان مقصوده مقصود أهل الجاهلية من تفضيل البنين على البنات، ومن التسخُّط لقضاء الله تبارك وتعالى، فهو آثم ديانة بينه وبين الله تبارك وتعالى، يكون آثمًا، لأن الأمور بمقاصدها.