مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

إمكان تطبيق نظرية القيادة

هل يمكن أن تتحول مبادئ القيادة التي ذُكرت في الحلقة الماضية إلى واقع عملي مطبق، وهل يؤثر تطبيقها في الجوانب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعسكرية؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم، وفهِّمنا ما لم نفهم، وأهلنا إلى الطريق الأقوم، إنك أنت العزيز الأكرم، وأنت الرب، وأنت الحكم. أما بعد، فإن الله تبارك وتعالى حينما نصَب في كتابه الكريم وفي سُنَّة نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم معالم ترشد الناس إلى القيادة الناجحة التي يحتاجون إليها لإدارة شؤون حياتهم، ولتحقيق مقاصدهم المشروعة في أحسن طريقة وأفضل أسلوب، لم يترك تلك المعالم لتكون مجرد نظريات. ولذلك فإن ما نجده في هدي الأنبياء والمرسلين، وما نجده في الأحكام الشرعية التي هي في كتاب الله عز وجل أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، هي كلها داعية إلى أحكام ممكنة التطبيق، بل إن المخاطَبين مأمورون بأن يجعلوا من تلك المبادئ والقواعد والأسس والأصول والأخلاق حقائق عملية، إذ لا يتأتى أن تكون مجرد نظريات. والحقيقة أن كل أحكام الدين إنما جاءت لكي تُطاع وتُمتثل ويُستجاب لها، وهذا هو معنى الاستسلام لأمر الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ [الأنعام: 162-163]. ومن أبرز معالم جعل تلك الأخلاق والأصول والمبادئ مترجَمة في أرض الواقع أن الله عز وجل وصف هذه الأمة –كما تقدَّم– بقوله: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: 181]. فإن اختيار صيغة الفعل المضارع دليل العمل أولًا، ثم دليل الاستمرار في هذا العمل وعدم الانطواء أو الانكفاء عنه؛ فهم يهدون بالحق، فهم مستمرون قائمون مهما واجهتهم الصعاب والخطوب، وبه –أي بالحق– يعدلون مهما كان ذلك ثقيلا على أنفسهم، فهم يعدلون ولو كان الحق على أنفسهم للآخرين، ويبسطون العدل في الناس، وهذا شأنهم دائما، فهم مستمرون قائمون بهذه الأسس والمبادئ دائما. لكن الأمر الأهم هو تلك المؤهلات، تلك الصفات التي تضبط التطبيق والتنفيذ؛ فنحن بين التخطيط السليم والتنفيذ الأمين بحاجة إلى قيادة ناجحة، وإمكان تحقيق هذه القيادة الناجحة في أرض الواقع إنما يكتنفه جملة من الأسس، في صدارتها القدوة؛ فإن كل من تبوَّأ منصب المسؤولية وأسندت إليه أمانة لا بد أن يكون قدوة لغيره، فقبل أن يطالب الآخرين بإطاعة أوامره والاستجابة له لا بد أن يكون هو بنفسه في موقع القدوة والأسوة الحسنة لغيره. وهذا مأخوذ من كتاب الله عز وجل من مواضع شتى؛ فربنا جل وعلا يقول في سورة هود على لسان شعيب عليه السلام: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود: 88]. وهذا شعار رفعَه –إن لم يكن بلفظه فبمعناه– كل الأنبياء والمرسلين؛ فقد أرَوا أقوامهم من أنفسهم أنهم القدوات. ولذلك نجد أن الله تبارك وتعالى يخاطب هذه الأمة والعالمين بأن سيدنا ونبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم هو في ذاته، في شخصه، قدوة وأسوة لهم: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]. فما تبوَّأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا المحل الرفيع والمنزلة السامقة إلا لأنه كان يمتثل ما يدعو الناس إليه. وحتى نعطي بعض التفاصيل فيما يتعلق بهذا الأس المتين وهو القدوة، أي أن يكون القائد أو المسؤول صاحب السلطة والأمانة في موضع الاتِّباع والاقتداء به، فإن هذا يلزمه أن يكون مشاركًا، أن يكون ممتثلا مستجيبًا لما يدعو إليه؛ نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يشارك أصحابه في بناء المسجد، يخطط في أمر الهجرة ويشارك فيها، يشارك في حفر الخندق حتى يربط على بطنه الحجارة فيما يتعلق بالجهاد، تجد أنه عليه الصلاة والسلام إذا حمي الوطيس احتمى به أصحابه رضوان الله تعالى عليهم، وهكذا في سائر شؤونه؛ كان يُري الناس، وكذلك الحال بالنسبة لبيعه وشرائه ومعاملته لقرابته ومعاملته للمسلمين ثم لمعاملته لغير المسلمين، يعطي من نفسه القدوة الحسنة. والقيادة الناجحة لا يمكن أن تتحقق إلا إذا كان هذا الذي بُوِّئ موضع المسؤولية والأمانة والسلطة أو موقع القيادة إلا إذا كان قدوة لغيره. أما أن يدعو الناس إلى الالتزام والامتثال وهو بعيد كل البعد عن ذلك، إنما يرفع مجرد شعارات نظرية، لا يُرى من نفسه امتثالًا ولا التزامًا، فإن هذه القيادة لا شك محكوم عليها بالفشل. ثم الشورى؛ وقد قدَّمت الشورى لأن الله تبارك وتعالى سمَّى بها سورة مكية، حينما كان المسلمون مجرد أفراد قلائل في المجتمع المكي، يعانون من الاضطهاد والظلم من أهل مكة؛ نجد أن ربنا تبارك وتعالى يوسِّط صفة الشورى بين الصلاة والزكاة، فيقول: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى: 38]. وسُمِّيت السورة بسورة الشورى في دلالة واضحة على أن شأن هذه الجماعة كله سوف يكون مبنيًّا على الشورى. ولذلك نجد عقب هزيمة المسلمين في أُحد، بسبب مخالفة بعضهم لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدم ترك أماكنهم، نجد التأكيد على هذا المعنى؛ إذ العادة عند القواد وأصحاب القرار أنهم يعرضون عن مشاورة أولئك الذين كانوا سببًا للفشل والهزيمة، ومع ذلك يأتي القرآن الكريم ليقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159]. ومحل الشاهد هنا هو: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾؛ هؤلاء الذين كانوا سببًا في الهزيمة، ومع ذلك فإن ربنا تبارك وتعالى يأمر نبيَّه الخاتم ذا الخُلُق العظيم بأن يعفو عنهم، وأن يستغفر لهم، وألا ينأى عن مشاورتهم، وألا يأنَف من مشاورتهم مع ما أصابهم. وهذا مبدأ أصيل لتحقيق القيادة الناجحة. لكن المشاورة لا تغني عن التشارك؛ فالخصلة الثالثة، أو الأس الثالث: المشاركة أو التشارك. الفرق بينها وبين الشورى: الشورى أن يُستطلَع آراؤهم ليصطفي منها أفضلها، فيأخذ الآراء، أما المشاركة فإن المقصود منها أن يُشرِكَهم فيما هم بصدده من عمل، فيما يبتغون إنجازه وإتمامه، فيما يرومون الوصول إليه من غايات ومقاصد. وهذه الآية دليل على ذلك أيضا؛ فإنها صدرت بهذا الجانب: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾، ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضوا من حولك، أي لأعرضوا عنك صادِّين، لو كنت فظًّا غليظ القلب، مما يعني أن المقصود هو أن يكونوا قريبين منك مشاركين لك. وقول ربنا جل وعلا: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2] بعد أمره بإقامة العدل دليل واضح على هذا. وإنْ مثَّلْنا مثالًا آخر من القرآن الكريم فسنجد في قصة ذي القرنين –ونحن نعلم كما وصف الله سبحانه وتعالى ذَا القرنين في سورة الكهف: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَاتَّبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: 84-85]– ومع ذلك فإنه قال حينما طلب منه القوم أن يبني لهم سدًّا يحول بينهم وبين أعدائهم: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ [الكهف: 95-96]، حتى إذا ساوى بين الصدفين قال: ﴿انْفُخُوا﴾، حتى إذا جعله نارًا قال: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: 96]؛ أشركهم في كل مراحل العمل. فمع أنه في قوة ومَنَعة، وعنده من الجنود والعمال ما يستطيع بهم أن يصل إلى مبتغاه، لكن القرآن الكريم يعلِّمنا إرساء هذا المبدأ، وأن تحقيق الغايات والقيادة الصحيحة –أو القيادة الناجحة الفاعلة– إنما تكون بإشراك من يمكن إشراكهم للوصول إلى الغايات المبتغاة. فإذا هناك أمران: الشورى أمر، والشورى يراد منها استخلاص الآراء، وقد تكون الشورى لصنف خاص هم ذوو الرجاحة في العقل والرأي، وبحسب موضوع الشورى؛ فليس كل أمر يمكن أن يُشاوَر فيه عموم الناس، وإنما بحسب موضوع الشورى نفسها. فنحن نجد أيضًا تطبيقات في هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان في بعض الأحوال لا يُظهِر الأمر إلا لخاصة الخاصة، كما هو في حادثة الهجرة؛ فإنه أخفى موعد خروجه، وأخفى أيضًا من يكون معه حتى كانت لحظة التنفيذ، وكذا الحال في غزوة بدر؛ فإنه في مراحل الإعداد هناك، بل كان يبعث بعض السرايا ويطلب من قائد جنده ألا يفتح أمره بالوجهة التي يقصدونها إلا بعد أن يبلغ محلًّا معينًا. بينما نجد بعض القضايا –لا سيما إذا كنا نتحدث عن مؤسسات وشركات– لا غضاضة ولا حرج أبدًا في استخلاص الآراء من كل من يمكن أن يُنتفَع منهم؛ فهذا باب. لكن الباب، الخصلة الأخرى هي ما يتعلق بإشراك الآخرين، كما ورد في الأدلة المتقدمة. الآية من سورة آل عمران في قوله جل وعلا: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ أصل أصيل فيما يتعلق بالخطوات العملية التي تُعين على تطبيق مؤهلات القيادة الناجحة؛ فأخذْنا بعض جوانبها، إلا أن صَدْرَها –وهو: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾– يشتمل على أصل آخر، وهو حُسن معاملة الأتباع، وأن هذه المعاملة لا يُقتصَر فيها على حد أن تكون معاملة عادية، بل لابد من تأليف القلوب. ولذلك ورد في هذا السياق: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾، و«ما» هنا مصدرية؛ كان يمكن في غير القرآن الكريم أن تكون الجملة صحيحة بقول القائل: «فبرحمةٍ من الله»، لكن ورود «ما» المصدرية أضافت أن هذا هو الأصل في المعاملة، وتأكد هذا بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾؛ ولكن هذا لا يعني أن هذا الأصل يكون ملتزمًا به دائمًا ومع كل الناس، فلابد لنا من الانتباه: الأصل هو تأليف القلوب بالمعاملة الحسنة، بل بأحسن معاملة، بدليل أيضا هذه الآية الكريمة، ودلالة «ما» المصدرية فيها، وبدليل قول الله سبحانه وتعالى –لا شك أن أصل الآية وارد في بني إسرائيل–: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]، لكن ورد أيضًا في هذه الأمة: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: 53]. فهذا هو الأصل في المعاملة. لكن هناك حالات استثنائية لابد من الانتباه إليها؛ ومقتضى الحكمة يلزم أن يكون نوع المعاملة فيها مختلفًا، لأننا نجد في القرآن الكريم أن أولئك الذين يكونون أعداء مثبِّطين، عقبات تمنع من بلوغ الغايات الحميدة، نجد أن القرآن الكريم يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنهم؛ لذلك نجد: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: 63]، و﴿فَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: 94]، ويقول… يعني ورد في المنافقين، وفي المستهزئين، وفي المشركين، وفي المنافقين الأمرُ بالإعراض عنهم في سياقات عديدة في كتاب الله عز وجل، مما يعني أن هناك صنفًا خاصًّا من المعاملة تكون لهؤلاء، أو أن هناك صنفًا مخصوصًا من الناس الذين يكونون أعداء أو مثبِّطين، يكيدون بأهل الخير والصلاح والدعاة إلى نشر الفضائل والإصلاح في الأرض في أي أمر كان؛ أولئك الذين يكيدون بهؤلاء الدوائر، ويثبطونهم ويمنعونهم من بلوغ مراشدهم ومن بلوغ غاياتهم؛ هؤلاء يستحقون نوعًا مخصوصًا من المعاملة. لكن أيضًا حتى لا يُفهَم: هذه معاملة خاصة تكون بعد ثبوت المكائد؛ كل هذه السياقات التي نجدها في كتاب الله عز وجل –أمرُه نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم بالإعراض عن هؤلاء، كما تقدم: الأعداء الذين يناصبون الحرب بالمسلمين وأهله، أو أهل النفاق، أو بالمستهزئين، أو بالجاهلين–: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]؛ هذه حالة خاصة، الإعراض عن الجاهلين هي حالة خاصة من عموم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾، و«لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ»، وهي استثناء من قوله جل وعلا: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾؛ لكن بعد ثبوت ذلك عليهم، بعد أن تثبت وتنكشف أحوالهم، وتظهر دسائسهم؛ فحينئذ يكون الحزم، والإعراض، وعدم الاشتغال بهؤلاء هو المنهج الذي يسلكه القائد الناجح، بحسب ما نفهمه من كتاب الله عز وجل. أيضًا من الأمور، من الأسس المهمة التي نصَّ عليها كتاب الله عز وجل نصًّا صريحًا لخطورتها ولعِظَم أثرها –وقد نقف عندها في هذا السياق–: البِطانة؛ اختيار البطانة الصالحة المؤهَّلة ذات الكفاءة التي تعين على بلوغ الهدف، والحذر من بطانة السوء التي تُثبِّط، وتحول بين المرء وبين بلوغه لمقاصده النبيلة المشروعة. ولذلك نجد أن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا ۚ وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ ۚ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ۚ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: 118]. والخطاب هنا لذوي المسؤوليات والأمانات، في حسن اختيار البطانة، وتجنُّب بطانة السوء التي تريد العنت والمشقة، وتبتغي إحداث الخلل وإثارة الفتن. فالخطاب هنا –لأن بعض الناس يحتج ويعتذر ببطانة السوء في فشله أو في عدم بلوغه لغاياته– مع أن الخطاب هنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا﴾؛ فالمنهيون –أي المخاطَبون في هذه الآية الكريمة– هم ذوو الولايات أولي الأمر بألا يتخذوا؛ لأنهم هم الذين يختارون بطانتهم؛ المسؤولية تقع عليهم، فالمسؤولية تقع عليهم؛ هم الذين يختارون مستشارهم، هم الذين يختارون من يعينهم على وضع الخطط والبرامج، هم الذين يختارون من يقوم بالتدقيق والإشراف على تنفيذ تلك البرامج، هم الذين يختارون من يوافيهم بالتقارير اللازمة لمعرفة سير العمل، إلى آخر ما يحتاج إليه؛ هم المعنيون بحسن اختيار البطانة الصالحة. ولذلك نجد هذا الأمر الصريح، ونجد تطبيقات هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي هدي الخلفاء الراشدين لهذا الأصل غايةً في الروعة والدقة وحسن الاختيار؛ فهناك أصناف لا يصح أن تُتَّخذ بطانة؛ فكل من لم يكن من أهل المروءة والدين والخُلُق، ولم يكن من ذوي العلم والكفاءة –بحسب الموضوع المناسب– فإنه لا يصح أن يكون من البطانة، وإلا باء بالفشل على العمل كله، وعلى المشروع كله، وحينئذ لا يلوم ذو المسؤولية إلا نفسه؛ لا يلوم من كان في موضع القيادة والأمانة أحدًا سوى نفسه. وهذا أيضًا، هذا الخطاب هو خطاب للبطانة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «المستشار مؤتمن»، وهذه الآية الكريمة تدل على خِصال: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾، و﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾، ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾؛ ضِدُّ هذه الصفات هي التي ينبغي أن يلتزم بها من كان بطانة لذي مسؤولية أو إمارة أو ولاية من الولايات؛ أن يكون مخلصًا، أمينًا، ناصحًا، قاصدًا مبتغيًا للخير، بارًّا في نصحه، مجتهدًا، مقدِّمًا للمصلحة العامة على المصالح الخاصة، باذلًا جهده في النصح لما هو فيه. ولذلك نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «المستشار مؤتمن»، ويقول: «الدين النصيحة». وحينما سُئل: لِمَنْ يا رسول الله؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، وأئمة المسلمين وعامتهم».
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠
🎬

سؤال أهل الذكر| المسؤولية القيادية.. حظوظ أم مقومات - الجزء الثاني | الأحد 23 أبريل 2017م

مسائل متنوعة

✦ فتاوى مشابهة

إمكان تطبيق نظرية القيادة

2 👁

هل يمكن أن تتحول مبادئ القيادة التي ذُكرت في الحلقة الماضية من نظرية إلى واقع عملي مؤثر اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً وعسكرياً؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٣‏/٤‏/٢٠١٧

معرفة مرضاة الله في القيادة

2 👁

كيف يتعرف القائد على أن قراراته وإدارته مما يرضي الله أو لا يرضيه، وما الذي يُطالب به في هذا الباب؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

اكتساب ثقافة القيادة الرشيدة

2 👁

ماذا يحتاج قائد المركبة أو مستخدم وسائل النقل حتى يكتمل وعيه وتكون القيادة لديه ثقافة رصينة تُعرف بها أخلاقه؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٤‏/٣‏/٢٠١٦

هل التشدد نتيجة التمسك؟

2 👁

هل الإسلام عندما يشتد التمسك به يتحول إلى كتلة عاطفة لا يمتلك معها المسلم حكمة التكيف مع الحياة بحيث تُهمل حاجات الناس المعيشية بحجة تطبيق الشريعة؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٦‏/٨‏/٢٠١٣

داعية لا يطبق نصحه

2 👁

ما نصيحتكم لشاب يحاضر عن حسن المعاملة الزوجية ولا يطبق ذلك في بيته؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
١٧‏/٨‏/٢٠١١

تعليم الصغار القيادة

3 👁

ما توجيهكم للأسر التي تعلم أبناءها الصغار قيادة السيارات وتطلق لهم العنان للخروج بها متى أرادوا؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٨‏/٥‏/٢٠١٢