⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم، وفهِّمنا ما لم نفهم، واهدنا إلى الطريق الأقوم إنك أنت الأعز الأكرم، وأنت الرب وأنت الحكم.
أما بعد؛ فإن ألزم ما يحتاج إليه الناس حتى يدركوا حقيقة هذه القضية ويتصوَّروا أبعادها هو أن يوقِنوا أن الأمن في الطُّرقات، والسلامة في دُروب الناس، هو من أعظم المِنَن التي يمتنُّ الله عز وجل بها على عباده، ولو لم تكن كذلك لما استحقَّت أن يذكرَها الله عز وجل في سياق بيان البواعث إلى عبادته، وإلى التدين له جل وعلا.
فنحن نجد أن الله سبحانه وتعالى حينما بعث نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة، وكان قد بدأ عليه الصلاة والسلام دعوته في أهل مكة، فإن الله تعالى قد أرشد نبيه عليه الصلاة والسلام أن يذكِّرَهم بنعمةٍ من النِّعم التي امتنَّ بها عليهم، والتي تستوجب منهم الاستجابة لنداء الإيمان ولدعوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك في قوله جل وعلا: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ [قريش: 1-2]، فرَتَّب على امتنانه عليهم برحلة الشتاء والصيف، وهي رحلة تجارتهم من مكة إلى بلاد الشام مرورا بالقرى والمدن التي كانوا يمرون بها وعليها، فإنه رتَّب على هذه النعمة، نعمةِ سيرِهم وسفرِهم وتنقُّلِهم وترحالِهم ذهابا وجيئة آمنين مطمئنين على أنفسهم وعلى تجارتهم وعلى أموالهم، رتب عليها الأمر بعبادته، فقال: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾، والفاء هنا للتعقيب، ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾، ثم ذكَّرهم بهذه النِّعَم المبنيَّة على أمن الطُّرقات وسلامة سيرهم في المدن والقرى التي يرتحلون منها وإليها: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: 3-4].
وحينما ذكر لنا جل وعلا قصة أهل سبأ فإنه ذكر صنوفا من النِّعم التي كانوا يتقلَّبون فيها، وذكر ما أحدثوه من جحودٍ لهذه النعم وكفرانٍ بها، ونسيانِ حقوق المنعِم، وبطْرِهم لها، ذكر من هذه النِّعم وما أحدثوه فيها بعد أن ذكر ما كانوا فيه من رغد عيش، وسَعَةِ رزق، وطمأنينةٍ، فإنه ذكر قائلا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً﴾ [سبأ: 18]، وهذه نعمة، ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾ [سبأ: 18]، وهذه نعمة تتعلق بيسْرِ سفرهم وتحقُّقِ الأمن والسلام في سيرهم وترحالهم: ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ [سبأ: 18].
فلو لم يكن من عِظَم شأن أمن الطُّرقات وسلامة الناس في أسفارهم وفي تنقّلاتهم ورحلاتهم هذه الأهميةُ البالغةُ، لما كانت جديرةً أن يذكرها الله تبارك وتعالى في مثل هذه السياقات التي يدعو فيها عباده، المخاطَبين فيها، إلى الإيمان به، وإلى شكر هذه النعم، وإلى تقديرها حق التقدير.
ولذلك فإن مما يلزم الناس أن يوقِنوا بدايةً أن الأمن بمختلف أنواعه، وتحقُّق السلامة والأمان في مجتمعاتهم، هو من أعظم النِّعم التي يمكن أن تتقلب فيها المجتمعات، ومن هذا الأمن العامِّ والسلامةِ الشاملة: أمنُ الطُّرقات، وسلامةُ الأسفار والترحال، فهو نوع من أنواع هذا الأمن الشامل العام، والسلامة الكليَّة التي تُضفَى على مجتمع من المجتمعات.
ولذلك حينما يدركون هذه الحقيقة فإن الواجب أن يدفعهم إدراكُهم ذلك إلى تقدير هذه النعمة، وتقديرُها يعني أن يُشكرَ لله تبارك وتعالى هذه المِنَّة العظيمة، وأن يُراعوا هذه النعمة بأداء الحقوق، وحفظها، وصيانتها، ورعايتها، وتجنُّبِ كلِّ ما يمكن أن يطرأ عليها من أسباب الخلل والفساد والأذى والضَّرر.
ولا يكفي الوعي وحده، ولا نجِد لمجرَّد الوعيِ النَّظري منزلةً في دينِنا؛ لأن المقصود من الوعي وحسن التصوُّر والإدراك الصحيح، المقصود من كلِّ ذلك هو العمل؛ هو العمل، معناه الالتزام، وهذا مفهوم ديني أصيل لا بدَّ للناس أيضا أن تتقِنَه.
والله تبارك وتعالى قصَّ لنا في كتابه الكريم قصصَ كثيرٍ من الأفراد أو من المجتمعات والأُمم والشعوب التي أعرضت عمَّا أتاها من هدى ونور ورُشْد، فلم تنتفع بما أُوتيتْ إيَّاه من الهدى والنور، وأعرضتْ وطرحتْه جانبا، ولذلك كان ما أُوتيتْ إيَّاه حُجَّةً عليها، وكان سببًا لنِقمتها ولزوالها وتلاشيها.
نجد هذا في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: 175]، نجده فيما حكى لنا ربنا جل وعلا عن بني إسرائيل: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 85]، بل نجده في تقرير اقتران العمل الصالح بالإيمان، وأن الإيمان ليس مجرَّد شعار يرفعه المؤمن، بل هو حقيقةٌ راسخة في النفس توجِّه الجوارح إلى العمل الصالح: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: 65]، هذا هو جانب الوعي والإدراك، ثم قال: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء: 65]، ثم قال: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]، هذا هو جانب الالتزام.
وهذا مفهوم الالتزام: أي أن حفظ أمان الطريق وسلامة المرور لا يكفي فيه مجرَّد الوعي، بل هو التزام، ومعنى الالتزام في هذا السياق هو أداءٌ للحقوق، وهو أخلاق لا بد من الالتزام بها، وآداب لا بد من التقيد بها، كما أنه مصالح لا بد من رعايتها، ومفاسد لا يصح إلا أن تُتجنَّب وأن تُتَّقى، وأن تُقطَع أسبابُها بالكليَّة.
حينما نفهم هذه القضية هذا الفهم الصحيح فإنه يمكن حينئذ أن نستشعر هذه النِّعمة التي امتنَّ الله تبارك وتعالى بها علينا، وأن نستشعر أن المسؤولية مشتركة، فهي لا تقف عند حدود رجال المرور والمعنيين عن حفظ أمن الطُّرقات وسلامة الناس وحفظ أرواحهم وممتلكاتهم، كما أنها لا تقتصر على أصحاب القرار والمشتغلين بالأنظمة والتشريعات، ولا تقتصر أيضا على مستخدمي الطُّرق من راجلة أو راكبين وقائدي سيارات، وإنما هي مسؤولية مشتركة علينا جميعا أن نتحمَّلَها، وأن ندركَ خطورتها وأبعادها، وأن نلتزم بعد ذلك بالمسؤوليات كلٌّ وفق المسؤولية الملقاة على كاهله.
والله تعالى أعلم.