⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن الله تبارك وتعالى حينما نصَب في كتابه الكريم، وفي سنة نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم، معالمَ ترشد الناس إلى القيادة الناجحة التي يحتاجون إليها لإدارة شؤون حياتهم ولتحقيق مقاصدهم المشروعة في أحسن طريقة وأفضل أسلوب، لم يترك تلك المعالم لتكون مجرد نظريات.
ولذلك فإن ما نجده في هدي الأنبياء والمرسلين، وما نجده في الأحكام الشرعية التي هي في كتاب الله عز وجل أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، هي كلها داعية إلى أحكام ممكنة التطبيق، بل إن المخاطَبين مأمورون بأن يجعلوا من تلك المبادئ والقواعد والأسس والأصول والأخلاق حقائق عملية، إذ لا يتأتى أن تكون مجرد نظريات.
والحقيقة أن كل أحكام الدين إنما جاءت لكي تُطاع وتُمتثل ويُستجاب لها، وهذا هو معنى الاستسلام لأمر الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ [الأنعام: 162–163].
ومن أبرز معالم جعل تلك الأخلاق والأصول والمبادئ مُترجَمة في أرض الواقع أن الله عز وجل وصف هذه الأمة –كما تقدم– بقوله: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: 181]، فإن اختيار صيغة الفعل المضارع دليل العمل أولاً، ثم دليل الاستمرار في هذا العمل وعدم الانطواء أو الانكفاء عنه؛ فهم يهدون بالحق، فهم مستمرون قائمون مهما واجهتهم الصعاب والخطوب، وبه –أي بالحق– يعدلون مهما كان ذلك ثقيلاً على أنفسهم، فهم يعدلون ولو كان الحق على أنفسهم للآخرين، ويبسطون العدل في الناس، وهذا شأنهم دائماً، فهم مأمورون قائمون بهذه الأسس والمبادئ دائماً.
لكن الأمر الأهم هو تلك المؤهلات، تلك الصفات التي تضبط التطبيق والتنفيذ؛ فنحن بين التخطيط السليم والتنفيذ الأمين بحاجة إلى قيادة ناجحة.
إن كان تحقيق هذه القيادة الناجحة في أرض الواقع إنما يكتنفه جملة من الأسس في صدارتها القدوة؛ فإن كل من تبوأ منصب المسؤولية وأُسندت إليه أمانة لا بد أن يكون قدوة لغيره، فقبل أن يطالب الآخرين بإطاعة أوامره والاستجابة له لا بد أن يكون هو بنفسه في موقع القدوة والأسوة الحسنة لغيره.
وهذا مأخوذ من كتاب الله عز وجل من مواضع شتّى؛ فربنا جل وعلا يقول في سورة هود على لسان شعيب عليه السلام: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود: 88].
وهذا شعار رفعه –إن لم يكن بلفظه فبمعناه– كل الأنبياء والمرسلين؛ فقد أروا أقوامهم من أنفسهم أنهم القدوات، ولذلك نجد أن الله تبارك وتعالى يخاطب هذه الأمة والعالمين بأن سيدنا ونبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم هو في ذاته، في شخصه، قدوة وأسوة لهم: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]. فما تبوأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا المحل الرفيع والمنزلة السامقة إلا لأنه كان يمتثل ما يدعو الناس إليه.
وحتى نعطي بعض التفاصيل فيما يتعلق بهذا الأس المتين وهو القدوة –أي أن يكون القائد أو المسؤول صاحب السلطة والأمانة في موضع الاتّساء والاقتداء به– فإن هذا يلزمه أن يكون مشاركًا، أن يكون ممتثلاً مستجيبًا لما يدعو إليه؛ نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يشارك أصحابه في بناء المسجد، يخطط في أمر الهجرة ويشارك فيها، يشارك في حفر الخندق حتى يربط على بطنه الحجارة، فيما يتعلق بالجهاد تجد أنه عليه الصلاة والسلام إذا حمي الوطيس احتمى به أصحابه رضوان الله تعالى عليهم، وهكذا في سائر شؤونه كان يُرِي الناس.
وكذا الحال بالنسبة لبيعه وشرائه، ومعاملته لقرابته، ومعاملته للمسلمين، ثم لمعاملته لغير المسلمين؛ كان يعطي من نفسه القدوة الحسنة، والقيادة الناجحة لا يمكن أن تتحقق إلا إذا كان هذا الذي بُوِّئ موضع المسؤولية والأمانة والسلطة أو موقع القيادة قدوة لغيره.
أما أن يدعو الناس إلى الالتزام والامتثال وهو بعيد كل البعد عن ذلك، إنما يرفع مجرد شعارات نظرية، لا يُرى من نفسه امتثالاً ولا التزامًا، فإن هذه القيادة لا شك محكوم عليها بالفشل.
ثم الشورى؛ وأنا قدّمت الشورى لأن الله تبارك وتعالى سمّى بها سورة مكية، حينما كان المسلمون مجرد أفرادٍ قلائل في المجتمع المكي يعانون من الاضطهاد والظلم من أهل مكة، نجد أن ربنا تبارك وتعالى يوسّط صفة الشورى بين الصلاة والزكاة، فيقول: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى: 38]، وسميت السورة بسورة الشورى في دلالة واضحة على أن شأن هذه الجماعة كلّه سوف يكون مبنيًّا على الشورى.
ولذلك نجد عقب هزيمة المسلمين في أُحد بسبب مخالفة بعضهم لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدم ترك أماكنهم، نجد التأكيد على هذا المعنى؛ إذ العادة عند القُوّاد وأصحاب القرار أنهم يُعرضون عن مشاورة أولئك الذين كانوا سببًا للفشل والهزيمة، ومع ذلك يأتي القرآن الكريم ليقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159]. ومحل الشاهد هنا هو: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾؛ هؤلاء الذين كانوا سببًا في الهزيمة، ومع ذلك فإن ربنا تبارك وتعالى يأمر نبيه الخاتم ذا الخلق العظيم بأن يعفو عنهم، وأن يستغفر لهم، وأن لا يَفْتُر عن مشاورتهم، ألا يأنف من مشاورتهم مع ما أصابهم؛ وهذا مبدأ أصيل لتحقيق القيادة الناجحة.
لكن المُشاوَرة لا تُغني عن التشارك، فالحلقة الثالثة أو الأس الثالث: المشاركة أو التشارك؛ الفرق بينه وبين الشورى أن الشورى أن يُستطلَعَت آراؤهم ليُصطفى منها أفضلها فيُؤخذ بالرأي، أما المشاركة فإن المقصود منها أن يُشرِكهم فيما هم بصدده من عمل، فيما يبتغون إنجازه وإتمامه، فيما يرومون الوصول إليه من غايات ومقاصد.
وهذه الآية دليل على ذلك أيضًا، فإنها صُدِّرت بهذا الجانب: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾، ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضوا من حولك، لأعرضوا عنك صادِّين لو كنت فظًّا غليظ القلب، مما يعني أن المقصود هو أن يكونوا قريبين منك، مشاركين لك.
وقول ربنا جل وعلا: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2] بعد أمره بإقامة العدل دليل واضح على هذا.
وإن أردنا مثالاً آخر من القرآن الكريم فسنجد في قصة ذي القرنين؛ فنحن نعلم –كما وصف الله سبحانه وتعالى ذا القرنين في سورة الكهف–: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: 84–85]، ومع ذلك فإنه قال حينما طلب منه القوم أن يبني لهم سدًّا يحول بينهم وبين أعدائهم: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ [الكهف: 95]، أشركهم في عمل: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾، ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا﴾، ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: 96]؛ أشركهم في كل مراحل العمل.
فمع أنه في قوة ومنعة، وعنده من الجنود والعمّال ما يستطيع بهم أن يصل إلى مبتغاه، لكن القرآن الكريم يعلّمنا إرساء هذا المبدأ وأن تحقيق الغايات والقيادة الصحيحة –أو القيادة الناجحة الفاعلة– إنما تكون بإشراك من يمكن إشراكهم للوصول إلى الغايات المُبتغاة.
فإذا هناك أمران: الشورى أمر، والشورى يُراد منها استخلاص الآراء، وقد تكون الشورى لصنف خاص هم ذوو الرجاحة في العقل والرأي، وبحسب موضوع الشورى؛ فليس كل أمر يمكن أن يُشاوَر فيه عموم الناس، وإنما بحسب موضوع الشورى نفسها.
فنحن نجد أيضًا تطبيقات في هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أنه كان في بعض الأحوال لا يُظهِر الأمر إلا لخاصّة الخاصة، كما هو في حادثة الهجرة؛ فإنه أخفى موعد خروجه، وأخفى أيضًا من يكون معه حتى كانت لحظة التنفيذ، وكذا الحال في غزوة بدر في مراحل الإعداد؛ بل كان يبعث بعض السرايا ويطلب من قائد جنده ألا يفتح أمره بالوجهة التي يقصدونها إلا بعد أن يبلُغ محلًّا معيّنًا.
بينما نجد بعض القضايا –لا سيما إذا كنا نتحدث عن مؤسسات وشركات– لا غضاضة ولا حرج أبدًا في استخلاص الآراء من كل من يمكن أن يُنتفع منهم؛ فهذا باب، لكن الباب، الخصلة الأخرى هي ما يتعلق بإشراك الآخرين كما ورد في الأدلة المتقدمة.
الآية من سورة آل عمران في قوله جل وعلا: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ أصل أصيل فيما يتعلق بالخطوات العملية التي تعين على تطبيق مؤهلات القيادة الناجحة؛ فأخذْنا بعض جوانبها، إلا أن صدرها –وهو: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾– يشتمل على أصل آخر، وهو حُسن معاملة الأتباع، وأن هذه المعاملة لا يُقتصر فيها على حد أن تكون معاملة عادية، بل لا بد من تأليف القلوب.
ولذلك ورد في هذا السياق: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾، و(ما) هنا مصدرية؛ كان يمكن –في غير القرآن الكريم– أن تكون الجملة صحيحة بقول القائل: "فبرحمةٍ من الله"، لكن ورود (ما) المصدرية أضافت أن هذا هو الأصل في المعاملة، وتأكد هذا بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾.
ولكن هذا لا يعني أن هذا الأصل يكون ملتزمًا به دائمًا ومع كل الناس؛ فلا بد لنا من الانتباه؛ الأصل هو تأليف القلوب بالمعاملة الحسنة، بل بأحسن معاملة، بدليل هذه الآية الكريمة، ودلالة (ما) المصدرية فيها، وبدليل قول الله سبحانه وتعالى –لا شك أن أصل الآية وارد في بني إسرائيل–: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]، لكن ورد أيضًا في هذه الأمة: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: 53].
فهذا هو الأصل في المعاملة، لكن هناك حالات استثنائية لا بد من الانتباه إليها، ومقتضى الحكمة يلزم أن يكون نوع المعاملة فيها مختلفًا؛ لأننا نجد في القرآن الكريم أن أولئك الذين يكونون أعداء، مثبِّطين، عقباتٍ تمنع من بلوغ الغايات الحميدة، نجد أن القرآن الكريم يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنهم؛ لذلك نجد: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: 63]، و﴿فَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: 94]، وورد في المنافقين وفي المستهزئين وفي المشركين وفي المنافقين الأمر بالإعراض عنهم في سياقات عديدة في كتاب الله عز وجل؛ مما يعني أن هناك صنفًا خاصًّا من المعاملة تكون لهؤلاء، أو أن هناك صنفًا مخصوصًا من الناس الذين يكونون أعداء أو مثبِّطين، يكيدون بأهل الخير والصلاح والدعاة إلى نشر الفضائل والإصلاح في الأرض في أي أمر كان، أولئك الذين يكيدون بهؤلاء الدوائر ويثبطونهم ويمنعونهم من بلوغ مراشدهم ومن بلوغ غاياتهم، هؤلاء يستحقون نوعًا مخصوصًا من المعاملة.
لكن أيضًا –حتى لا يُفهم– هذه معاملة خاصة تكون بعد ثبوت المكائد؛ كل هذه السياقات التي نجدها في كتاب الله عز وجل –أمره نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم بالإعراض عن هؤلاء كما تقدم: الأعداء الذين يناصبون الحربَ بالمسلمين وأهله، أو أهل النفاق، أو المستهزئين، أو الجاهلين: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]– هذه حالة خاصة، الإعراض عن الجاهلين حالة خاصة من عموم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾، وهي استثناء من قوله جل وعلا: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، لكن بعد ثبوت ذلك عليهم، بعد أن تثبت وتنكشف أحوالهم، وتظهر دسائسهم؛ فحينئذٍ يكون الحزم والإعراض، وعدم الاشتغال بهؤلاء هو المنهج الذي يسلكه القائد الناجح بحسب ما نفهمه من كتاب الله عز وجل.
أيضًا من الأمور، من الأسس المهمة التي نص عليها كتاب الله عز وجل نصًّا صريحًا لخطورتها ولعظم أثرها –وقد نقف عندها في هذا السياق–: البطانة؛ اختيار البطانة الصالحة المؤهلة ذات الكفاءة التي تعين على بلوغ الهدف، والحذر من بطانة السوء التي تُثبِّط وتحول بين المرء وبين بلوغه لمقاصده النبيلة المشروعة.
ولذلك نجد أن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا ۚ وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ ۚ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ۚ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: 118]. والخطاب هنا لذوي المسؤوليات والأمانات في حسن اختيار البطانة وتجنب بطانة السوء التي تريد العَنَتَ والمشقةَ وتبتغي إحداث الخلل وإثارة الفتن؛ فالخطاب هنا –لأن بعض الناس يحتج ويعتذر ببطانة السوء في فشله، أو في عدم بلوغه لغاياته– مع أن الخطاب هنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا﴾؛ فالمنهيون، أي المخاطَبون في هذه الآية الكريمة هم ذوو الولايات، أولو الأمر، بألا يتخذوا؛ لأنهم هم الذين يختارون بطانتهم، المسؤولية تقع عليهم، فالمسؤولية تقع عليهم؛ هم الذين يختارون مستشارَهم، هم الذين يختارون من يُعينهم على وضع الخطط والبرامج، هم الذين يختارون من يقوم بالتدقيق والإشراف على تنفيذ تلك البرامج، هم الذين يختارون من يوافيهم بالتقارير اللازمة لمعرفة العمل إلى آخر ما يحتاج إليه؛ هم المعنيون بحسن اختيار البطانة الصالحة.
ولذلك نجد هذا الأمر الصريح، ونجد تطبيقات في هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي هدي الخلفاء الراشدين لهذا الأصل غايةً في الروعة والدقة وحسن الاختيار؛ فهناك أصناف لا يصح أن تُتَّخذ بطانة؛ فكل من لم يكن من أهل المروءة والدين والخلق، ولم يكن من ذوي العلم والكفاءة بحسب الموضوع المناسب، فإنه لا يصح أن يكون من البطانة، وإلا باء بالفشل على العمل كله وعلى المشروع كله، وحينئذٍ لا يلوم ذو المسؤولية إلا نفسه، لا يلوم من كان في موضع القيادة والأمانة أحدًا سوى نفسه.
وهذا أيضًا، هذا الخطاب هو خطاب للبطانة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «المستشار مؤتمن»؛ وهذه الآية الكريمة تدل على خصال: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾، ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾، ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾، ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾؛ أضداد هذه الصفات هي التي ينبغي أن يلتزم بها من كان بطانةً لذي مسؤولية أو إمارة أو ولاية من الولايات؛ أن يكون مخلصًا، أمينًا، ناصحًا، قاصدًا مبتغيًا للخير، بارًّا في نصحه، مجتهدًا، مقدِّمًا المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، باذلاً جهده في النصح لما هو فيه؛ ولذلك نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «المستشار مؤتمن»، ويقول: «الدين النصيحة»، وحينما سُئل: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامّتهم».