⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لا شك أن هذه –أي الصفات النفسية والخلقية والإيمانية– مقصودة مطلوبة، لكن المقصود بالقدوة فيما يتعلق بالالتزام؛ لأنه تقدَّم أن أمر القيادة يتعلق بالالتزام، فكيف يمكن أن يكون أحد في موضع القيادة وهو متخلِّف عن الالتزام بما يدعو إليه؟ لا يُرى من نفسه أنه أهل للعمل والجد والاجتهاد.
نعم، يتصل بالقدوة حتى تتضح الصورة، ويصلح أن يكون أصلًا مستقلا، وله شواهد كثيرة –وهي رائعة– في كتاب الله عز وجل، وقد تخفى على بعض الناس؛ لأنهم يقرؤون دون تدبر: الثبات في المواقف؛ فقد لا تظهر القدوة في عموم الأحوال العادية، لكن حينما يكون هناك خلل أو اضطراب فإن من كان في موضع القيادة لا بد أن يكون رابط الجأش، ثابت الجَنان.
سأستشهد لهذا بقصة موسى عليه السلام مع فرعون وقومهما؛ ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: 61]. من هم أصحاب موسى هنا؟ الذين آمنوا به؛ كانوا قبل قليل توعَّدهم فرعون بأن يقتلهم، وأن يصلِّبهم في جذوع النخل، وأن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، فقالوا –لما آمنوا–: لا، غيروا ما هم عليه، ثبتوا الإيمان، رضوا بدعوة سيدنا موسى عليه السلام، ودخلوا في دين الله تبارك وتعالى راغبين، مختارين، طالبين ما عند الله عز وجل؛ لكن من هول الموقف: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾، لأن فرعون حشد الحشود، وبعث في المدائن حاشرين، وهيَّأ الجيوش للقضاء على هذه الثلة المؤمنة؛ فأصبحوا رأي عين، والبحر من ورائهم، والجيش من أمامهم، فأيقنوا بالهلكة؛ ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، أي أيقنوا بالدَّرَك، وأنهم على وجه الهلاك.
هنا ظهر معنى القيادة الصحيحة بقول موسى لهم: ﴿قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 62]. فذات كلمة «كلا» التي صدرت من موسى عليه السلام كافية في الدلالة على الثبات والحزم والثقة في وعد الله تبارك وتعالى، وعدم الاضطراب عند مواجهة هذه الفتن، حتى وإن بدت الفتن عظيمة جسيمة خطيرة يمكن أن تقضي على الجماعة بأسرها؛ إلا أن روح القيادة هنا تقول: ﴿كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾.
يستمر مشهد الثبات وإعطاء القدوة؛ فموسى عليه السلام بعد هذا الموقف، بعد هذه الجملة القرآنية، يأتي وحي الله تبارك وتعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ [الشعراء: 63]، فكان: ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: 63]. من سرعة استجابة موسى –هذا معنى الالتزام– مع أنه قال: ﴿كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، لكن نصر الله تبارك وتعالى لموسى ومن معه ما جاء هكذا عفوًا، بل جاء بتكليف؛ قد يكون هذا التكليف –في نظرنا نحن اليوم، وفي نظر كثير من ضعاف النفوس الذين لا ينظرون إلى الأمرِ الناهي سبحانه وتعالى، وإنما ينظرون إلى الأوامر نفسها، فيقلِّلون ويعظِّمون بحسب أهوائهم وأمزجتهم، ويصنِّفون هذه الأوامر أيضًا بحسب رغباتهم وشهواتهم– لو نظرنا من هذا المنظار: ما صُنع؟ عصًا يُضرَب بها البحر! صحيح فيما يبتغيه موسى؟! ولكن من سرعة استجابة موسى –لأنه يعظِّم الآمِر، يعظِّم الرب تبارك وتعالى– طُوي ذكرُ «فضرب»؛ الاستجابة: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ * فَانْفَلَقَ﴾، مباشرة: ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾؛ في هذا الموقف يُمتَحَن موسى عليه السلام باستجابته لأوامر الله عز وجل، والتزامه بما يأمره به ربه سبحانه وتعالى، نعم.
حتى في هذا الموضع يري ربُّنا جل وعلا المؤمنينَ المخاطَبين جميعًا أن نصرَه إنما يتأتى بالامتثال، ولو كان في أمر يسير، ويُظهر موسى عليه السلام لقومه من نفسه ذلك بسرعة الاستجابة والامتثال؛ فيأتي نصر الله عز وجل: ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾.
نعم، بارك الله فيكم.