مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

دور الإعلام في بث اليأس

عندما تنقل القنوات صور معاناة المسلمين أو تخفيها، هل يؤدي الإعلام دوراً صحيحاً في قضية اليأس والإحباط أم لا؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
إما الجهل بالمبادئ الفقهية الضابطة الحاكمة للعمل الإعلامي، أو قصد المخالفة لتوجيه الرأي العام أو لتوجيه فئة المستهدفين نحو وجهة معينة. لكن لنحرر نحن فقه هذه المسألة؛ تقدم بأن من المقاصد الكلية، وقد كان المقصد الثاني مناصرة العدل والحق. لماذا نجد في كتاب الله عز وجل أكثر من تسع آيات -تسع آيات أو أكثر- في سورة النساء تبرئ ساحة يهودي رُمي زورا وبهتانا بالسرقة وهو منها بريء، والقرآن الكريم يبين عموم أحوال اليهود، عموم أحوال اليهود الذين كانوا في وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم مما كادوا به الإسلام وأهله؛ يقول: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ اليهود والذين أشركوا، ومع ذلك تأتي آيات نتلوها في كتاب الله عز وجل إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها لتبرئ ساحة يهودي بريء رُمي زورا وبهتانا من بعض ضعاف النفوس من المسلمين أنفسهم. ما هو المبدأ إذن؟ المبدأ: مناصرة الحق والعدل. لنأخذ في القرآن الكريم مثالا آخر في القصص القرآني، مما يتكرر كثيرا قصة موسى وفرعون، وفيها الكثير من العبر والعظات، سنأخذ مشهدا واحدا، وفيه قدر من المشهد الإعلامي: ﴿قِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُم مُّجْتَمِعُونَ * لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾. من الذي قال للناس؟ من الذي حرّض الناس للاجتماع؟ هذه صيغة المجهول هنا، صيغة المجهول أولا، ثم هي إشارة واضحة صريحة إلى أن هناك أبواقا إعلامية عملت في واقع الناس لحشد أكبر عدد ممكن من الناس حتى يحضروا ذلك اليوم الموعود؛ ولذلك: ﴿قِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُم مُّجْتَمِعُونَ * لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾. هذه القضية التي تُسألون عنها: هذا التحريض لا يراد منه اتباع الحق، «لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين»؛ هدف مقصود، اتباع الغالب ولو كان على باطل وضلال، والغالب -في ظنهم- هم. يأتي الإغراء: ﴿فَلَمَّا جَاء السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾. إلى يومنا هذا لا تزال كثير من هذه الجهات التي توجه وسائل الإعلام والقنوات الفضائية لا زالت ترغِّب وتُرهِّب، لا زالت تغري بالأعطيات والحظوة والمنزلة والتقريب ومزيد من المدد، شريطة المناصرة والمؤازرة وتسليط المكنة الإعلامية لهم على من هم ضدهم أو من كانوا أعداء لهم. وهذه الصيغة القرآنية، هذه الإشارة فيها لطيفة غاية في الإعجاز: ﴿قِيلَ لِلنَّاسِ﴾؛ بني هذا الفعل للمجهول، ما لم يُسمَّ فاعله، ولا زالت وسائل الإعلام المعاصرة البعيدة عن مناصرة الحق والعدل إلى يومنا هذا تنسب أخبارا؛ تقول تارة: خبير استراتيجي، ومرة: مصدر أثَر، أو «فضّل عدم ذكر اسمه»، أو «باستطلاع» أو «استطلاعات رأي» أو غيرها، حتى إذا أردت أن تبحث عن القائل ومصدر هذا الخبر لن تجد، وسيأتي في الغد خبر آخر يناقض الخبر الأول، ويُنسب أيضا إلى خبير أو إلى محلل سياسي أو إلى أكاديمي أو إلى استطلاع رأي، وهكذا. … من الأمور التي حذر منها القرآن الكريم، وحذرت منها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بالإعلام في قضية هذه الحوادث التي تُرى وما تنطوي عليه من آثار، وجدنا المبدأ القرآني أن الإثارة ليست مقصودة لذاتها، بل لابد من أمرين اثنين: الأمر الأول: بيان القضايا ذات الأولوية؛ فمهما كان هناك شيء مثير، جديد، حديث، يستهوي الناس ويستشرفون منه التطلع إلى ما حصل مما هو جديد، لكن لابد -بحسب المبدأ القرآني- أن يقترن ذلك أو أن يصحب ذلك تذكير بالقضايا ذات الأولوية. كما أنه لابد من الربط بين ذلك الخبر وبين العِبرة والعَبرة منه؛ لا نجد هكذا إثارة مجردة في القرآن الكريم. سأضرب مثالا واحدا، وما أكثر الأمثلة في القرآن: سورة الكهف. سورة الكهف فيها قصص: أول قصة فيها قصة أصحاب الكهف، ثم صاحب الجنتين، ثم موسى مع الرجل الصالح، ثم قصة ذي القرنين. تبدأ السورة: قصص، فيها إثارة، فيها تشويق، فيها تطلع من المتلقي لمعرفة الأحداث والحبكة والنتيجة، لكن مع ذلك تبدأ سورة الكهف: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا * قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ﴾ إلى آخر الآيات؛ بداية السورة تتحدث عن القرآن الكريم. لما بدأ الانتقال إلى الحديث عن قصة أصحاب الكهف: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾؛ للتأكيد على أن أمرهم ليس بعجب، هذا القرآن الذي أوحي إليك هو أعجب من شأنهم. بعد نهاية هذه القصة، بعد نهاية قصة أصحاب الكهف: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾. بعد قصة صاحب الجنتين: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾. حتى إذا ما خُتمت أيضا قصة ذي القرنين وقصة موسى، نأتي في آخر السورة مرة أخرى ليتناسب مع مقدمتها ومع موضوعها الأساس الذي تكرر بين كل قصة وأخرى أو بين قصة وبعض قصص أخرى، نجد: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾؛ هذه المرة أقوى في التأثر. كذلك الحال بالنسبة لقصة يوسف عليه السلام؛ حين التأمل فيها سنجد أن عنصر الإثارة فيها حاضر، لكنه لا يأتي مجردا لمجرد إثارة العواطف وشحن النفوس، وإنما يأتي مقترنا ببيان سنة الله تبارك وتعالى الماضية في خلقه، وبيان الأولويات، والتذكير بالقضايا ذات الأهمية، قضايا الدين والإيمان بالله تبارك وتعالى وقضايا اليوم الآخر؛ في كل الحوارات الموجودة في القصة سنجد أن هذه المعاني حاضرة، وكأنها هي المقصد الأساس من عرض هذه القصة. ولا غرابة في ذلك؛ القرآن الكريم في قصة الكهف: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ﴾، في قصة يوسف: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ في بداية القصة، وفي آخر السورة نجد: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾. من مجموع كل هذا نصوغ المبدأ مرة أخرى: هذا حكم تشريعي؛ ترتيب القضايا بحسب أولوياتها، والتذكير الدائم بالقضايا ذات الأولوية، وأن الإثارة ليست مقصودة لذاتها، وإنما ترتبط ببيان الحكمة والعِظة منها، كما ترتبط بالتذكير الدائم بالقضايا ذات الأولوية. يضاف إلى هذا: البعد عن الإلهاء، التحذير من الإلهاء، هذا الهروب الذي يحصل في كثير من وسائل الإعلام التقليدية والمعاصرة، الهروب إلى عالم لا يمت إلى الواقع بصلة، وإلهاء الناس باللهو والمجون والباطل من القول؛ لا وجود له في الفقه الإسلامي للإعلام، بل هناك تحذير شديد منه في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما فقط لبناء الأنفس الخربة.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠👁 2 مشاهدة
🎬

سؤال أهل الذكر| الإعلام.. مقاصد وأحكام | الأحد 7 مايو 2017م

مسائل متنوعة

✦ فتاوى مشابهة

تأثير عرض مآسي المسلمين إعلامياً

2 👁

عندما تنقل القنوات الفضائية مآسي المسلمين أو تخفي بعض الصور لأسباب سياسية، فهل يؤدي الإعلام دوراً صحيحاً في قضية اليأس والدفع إلى الإيجابية؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٨‏/٥‏/٢٠١٧

دور الإعلام في نصرة فلسطين

2 👁

ما تعليقكم على انحياز الإعلام الغربي للكيان الغاصب، وكيف يستطيع المسلمون أن يكون لهم سهم إعلامي مضاد ينقل الحقيقة ويحول التفاؤل إلى عمل إعلامي مؤثر؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٦‏/١١‏/٢٠٢٣

تقصير الإعلام الديني ووسائله

2 👁

هل ترون أن الإعلام الديني مقصر في تصحيح الأوضاع السلبية، وإذا كان مقصرًا فما الوسائل التي يحتاجها لتطوير مساره والخروج بالمجتمعات من الضيقات؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١١‏/٧‏/٢٠١٤

موقف المجتمع من الإعلام

2 👁

عندما تعرض المؤسسات الإعلامية مفاتنها للشباب وتتغذى من إقبال المجتمع عليها، فهل يطالب المجتمع فقط بتربية أبنائه والصبر عليهم أم عليه أن يتقدم لتبصير هذه المؤسسات بمنهجها وخطها؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١١‏/٧‏/٢٠١٣

اعتزال الإعلام زمن الفتن

2 👁

هل ينطبق حديث اعتزال الفتن على الإعلام اليوم بحيث يُطلب من الإعلامي اعتزال العمل الإعلامي عندما يؤدي إلى تأجيج الفتن بين المسلمين؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٤‏/٧‏/٢٠١٤

حرية الإعلام ودور الدولة

4 👁

في ثنائية الإعلام والدولة، ما المطلوب لكي يتحقق لكل منهما دور في تمتين علاقة الناس بعضهم ببعض، وخاصة مع الدعوات إلى حرية الإعلام وعدم ارتباطه برقابة الدولة؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٤‏/٧‏/٢٠١٤