⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أبواب رحمتك وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. أما بعد، فإن أهمية أن يكون مفتتح وحي الله تبارك وتعالى لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم في هذه الرسالة الخاتمة ﴿اقْرَأْ﴾ تكمن في الدلالة على أن هذا الدين جاء لنفي الاستبداد، وفي صداره الاستبداد المعرفي، استبداد رجال الكهنوت الذين يحولون بين الناس وبين وحي الله تبارك وتعالى الهادي إلى الصراط المستقيم.
فكون أول آية يتلقاها نبينا صلى الله عليه وسلم هي ﴿اقْرَأْ﴾، في هذا إيذان بأن هذه الحضارة المنبثقة من هذه الرسالة الخاتمة هي حضارة معرفة، وإنعاش للفكر، وعلم، ونظر، وبحث، وقراءة، وكتب، وأقلام، وكل ما يمكن أن يرتقي بفكر هذا الإنسان، ويغذي له عقله، ويبعث فيه حب التطلع نحو مزيد من اكتشاف أسرار هذا الكون ليصل منها إلى مزيد من الإيمان بالله تبارك وتعالى، واليقين به سبحانه وتعالى، والإيمان بالغيب، والنفاذ بعد ذلك إلى حسن الطاعة له جل وعلا.
وفي ذلك أيضًا ملحظ آخر مع نفي الاستبداد المعرفي كما تقدم، وهو نفي الجهل عن هذا الإنسان؛ فإن الإنسان الجاهل عُرضة للوقوع أسيرًا للأوهام والخرافات والأساطير، لينحط بعد ذلك إلى مستوى البهائم العجماء، غوايةً وضلالةً وبُعدًا عن المنهج الإنساني الرباني الذي يريده له خالقه ومدبر هذا الكون جل وعلا، فهذا أيضًا يُلحظ من هذا المعنى.
كذلك في هذا الوحي الأول الذي تلقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام مساواةٌ للبشر؛ فالخطاب وإن كان في لفظه موجهًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنه يصدق خطابًا عامًّا للناس: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]، رب الذي خلق. نعم، ولذلك فالناس في هذا الأساس المعرفي الذي يدعوهم إليه الله تبارك وتعالى سواسية، فلا يمكن أن يستعلي أحد على أحد أو أن يستأثر أحد دون غيره من بني البشر، بل كلُّ المخاطَبين مدعوون إلى امتثال هذا الأمر.
وأختم فقط لنفهم عمق اختيار، أو حكمة كون مفتتح الوحي بهذه الآيات الكريمة من سورة العلق، أنها تؤذن بأن القراءة هي أساس الحياة، وهي منهج هذه الحياة، وهي أساس تعمير حضارته، وهي الباعث الأول في إقامة صلة بني البشر مع بعضهم البعض، وهي المكوّن الجوهري في نقل التراث الإنساني والعلوم والمعارف والثقافات والحضارات إلى أن يرث الله تعالى الأرض وما عليها.
كلُّ الحضارات، وكل أصحاب الملل، انتعشت عندهم القراءة والعناية بالكتاب، وأدركوا أن سرَّ النماء والتطور إنما يكمن في ﴿اقْرَأْ﴾. ولذلك فإننا نجد إلى يومنا هذا أن من يأخذ بهذا الأساس ينهض، ومن يعرض عنه فإنه أيضًا لا ينال إلا الجهل والتأخر والضعف، بل والذلة والهوان.