⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، هذه المسألة تتّصل بما يُعرَف بالروايات التاريخية: هل تُجرى عليها الصنعة الحديثية أو لا حاجة أصلًا إلى أن تُعامَل معاملة الروايات الحديثية المرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام، أو أنها بحاجة إلى منهج آخر؟ ولعلّه سبق لنا الحوار في هذه القضيّة.
الخلاصة فيها: هو أنه صحيح أنه لا تَرْقى هذه الروايات التاريخية إلى أن تكون في حكم الآثار المرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام؛ لأن هذه الأخيرة يتعلّق بها أحكام شرعية، يتعلّق بها ما يتّصل برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الموحى إليه من ربّه جل وعلا، وهو الذي أرشدنا القرآن إلى اتّباعه وطاعته، فما يصدر عنه في هذا الباب إنما هو تشريع للأمة من بعده.
أما تلك الروايات التاريخية فإنها تتعلّق بأحداث حصلت في أزمنة مختلفة، فليس فيها ما يستدعي مزيد التدقيق والتحقيق لعدم تعلّق أحكام شرعية بها، أما التي يتعلّق بها حكم شرعي فإن سبيلها سبيل الروايات الحديثية.
لكن ـ كما قلت باختصار شديد ـ مع الاتفاق على هذه الحقيقة الأولى المتقدِّمة، فإنه هل يسوغ أن تُترَك أيضًا دون علم يضبط صحيحها من سقيمها، يُبيِّن ما الذي يُقبَل منها وما الذي لا يُقبَل منها؟ هل يُشترَط في رواتها شروط معيّنة أو لا حاجة للاشتراط ويُكتفى فيها ببعض الضوابط؟ الصحيح أنه لا بد من منهج، نعم.
كما وُجِد في علم القراءات منهج؛ ولذلك نجد أن بعض رواة القراءات القرآنية هم مقبولون في روايتهم للقراءات، لكنهم غير مقبولين فيما يتعلّق بعلم الحديث، نعم، وسبب ذلك أن اشتغالهم وملَكاتهم ومهاراتهم إنما كانت فيما يتعلّق برواية القراءات القرآنية.
فيُمكن أيضًا أن يُعمَد إلى منهج علمي يُمحَّص رواة الأحداث التاريخية، رواة الرواية التاريخية: مَن الذي يُقبَل، ما هي الصفات اللازمة، هل يُشترَط نفس ما يُشترَط من الضبط والدِّقة والإتقان في علم الحديث أن يكون رواة الرواية التاريخية أيضًا كذلك، أو أنه يمكن التساهل ووضع ضوابط أخرى تتعلّق بهؤلاء الرواة وبطريقة روايتهم وبالمتون نفسها؟ هذا ما ينبغي أن يكون؛ لا بد من أن نَعْمِد إلى منهج يُمَحَّص به هؤلاء الرواة، ويُنظَر في طريقة روايتهم، ويُقارَن بين هذه الروايات، ثم تُمحَّص بعد ذلك أيضًا متون نصوص الروايات التاريخية، وتُدرَس في ضوء الأوضاع السياسية والجهات المروّجة لها، وعموم الأحوال المعيشية للناس، وهذا ليس بالأمر العسر، نعم.
هذه بعض المعالم التي نحتاج إليها؛ فالخلاصة بعد هذا كلّه: إنه أيضًا قد لا يكون من الإنصاف أن نَعتمد ما يتعلّق بعلم الحديث من علم الرجال والجرح والتعديل، وعلم الرواية وعلم الدراية، في الروايات التاريخية، وذلك لأنها ـ كما تقدّم ـ إن هذه الروايات التاريخية لا تتعلّق بها شرعية، قد تتعلّق بها عبر وعِظات ومعرفة مواقف وتمييز أحداث، نعم، لكنها إنما هي للاعتِظاظ والاعتبار ومعرفة ما جرى والاستفادة منه، دون أن يتعلّق بها حكم شرعي؛ لأن الأحكام الشرعية تُؤخَذ من غير ذلك من المصادر، نعم.
وفي المقابل فإنه لا يسوغ أن تُترَك دون منهج، لا بد من منهج واضح تُمحَّص به هذه الروايات. ولذلك نجد أن هذا المسلك، مسلك تمحيص الروايات التاريخية باعتدال وتوسُّط، أيضًا جرى عليه عدد ممّن كتب في هذه المواضيع، نعم.
الآن بعض الروايات التي ذكرتموها لا تتعلّق بالصنف الأول، هي ليست من الروايات التاريخية، وإنما هي من الصنف الأول، فيُجرى عليها ما يُجرى على الروايات الحديثية، نعم، أي يُعمَل فيها بعلم الحديث، وبعضها لا، من الروايات التاريخية.
مثل هذا يسري أيضًا على ما يُوجَد في كتب التفسير؛ نعم، فيها الكثير مما هو ليس برواية تاريخية، وإنما تفسير لكتاب الله عز وجل وذكر أحداث، خاصة فيما يتعلّق بالأنبياء والرسل والرسالات السابقة، بنظر بسيط نجد أنها تُعارِض ما في كتاب الله عز وجل نفسه معارضة صريحة لا يمكن الجمع؛ فنجد أن القرآن الكريم يدلّنا على دلالات معيّنة، ويأتي المفسِّرون بهذه الروايات ليلْوُوا أعناق الدلالة الظاهرة لآيات الكتاب العزيز لتوافق ما ورد في تلك الإسرائيليات.
هذه أيضًا لا بد من تمحيصها؛ لأن الأمر فيها أخطر من مجرد رواية تاريخية.