⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، يكتسب المسلم معية ربِّه جل وعلا بأن يكون هو مع الله، فإن كان مع الله كان الله معه.
ونحن إذا نظرنا في كتاب الله عز وجل سنجد صفاتٍ ذكرها ربُّنا جل وعلا في كتابه الكريم مقترنةً بمعيَّته لمن اتَّصف بهذه الصفات، مع أن هذه الآية الكريمة هي في معية ذوات؛ فالله عز وجل يقول على لسان نبيِّه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40]، فهو عليه الصلاة والسلام وصاحبه الصدِّيق رضي الله تعالى عنه اكتسبا هذه الصفة لذواتهما.
لكننا نجد في كتاب الله عز وجل أن هناك خِلالًا إن اتَّسم بها العبد وتحلَّى؛ فإنه يكتسب معية الله تبارك وتعالى له، ممَّا يعني أن معية الله عز وجل للعبد ممكنة، وأن طرفها –إنما هو بطرف– سببها إنما هو بيد العبد نفسه؛ فإن أخذ بذلك الطرف كانت النتيجة أن الله عز وجل يكون معه. لكن الذي ابتُلي به كثير من الناس اليوم أنهم يريدون النتائج دون أسبابها، نعم، يريدون الخواتيم دون المقدِّمات؛ عليهم أن يأتوا بالمقدِّمات، وأما الخواتيم والنتائج فهي بيد الله تبارك وتعالى.
نحن نجد أن الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وَاللهُ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: 19]، و﴿أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: 19]، وقال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: 4]، وقال: ﴿وَاللهُ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ فصفة الإيمان الصادق الذي يعني حقيقة الإيمان بالله تبارك وتعالى، والخوف منه، والرجاء لما أعدَّه، والإيمان باليوم الآخر، وتنزيهه سبحانه وتعالى، وتذكُّر مراقبته للعبد؛ فلا يُقصَد به مجرَّد الإيمان النظري، وإنما يُقصَد به الإيمان الذي يملأ هذا العبد فيوجِّه له حركاته وسكناته في هذه الحياة الدنيا، هو السبب الأول لاكتساب معية الله عز وجل للعبد.
ثم التقوى؛ والله عز وجل يقول: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 36]، ويقول: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: 128]، ويتكرر هذا المعنى في كتاب الله عز وجل. فمن اتقى الله عز وجل فإنه يكتسب بذلك معية ربِّه جل وعلا له.
ونجد أن من الخلال أيضًا التي يذكرها: الصبر؛ الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153]، ويقول: ﴿وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 66]، أيضًا يتكرر هذا المعنى؛ فهذه صفة ثالثة مع الإيمان والتقوى، لا بد له من الصبر حتى يكتسب معية الله عز وجل له.
ثم الإحسان؛ بدليل الآية السابقة في خاتمة النحل: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾؛ إذًا إذا تحلَّى العبد بهذه الصفات والخِصال فإنه يستأهل أن يكون الله تعالى معه.
ومعنى معية الله عز وجل للعبد: أي أنه معه بالعناية، وبرحمته، وبإحسانه إليه، وبتوفيقه وتأييده، والإنعام عليه في الدنيا والآخرة، يورثه طمأنينة القلب، يورثه الخشية منه، والحب له جل وعلا، يورثه تعظيمه سبحانه، ويورثه المراقبة الدائمة له.
فمعية الله عز وجل ليست أيضًا مجرَّد منحة إلهية للعبد جوفاء فارغة، بل هي فضلٌ منه سبحانه وتعالى مملوءة بالمعاني التي تدفع هذا العبد إلى مزيدٍ من العمل والعطاء، والإقبال على الله سبحانه وتعالى.
ولذلك نجد –تأكيدًا لاستحقاق العبد لمعية الله عز وجل له– هذا المعنى مع الآيات المتقدِّمة؛ أن الله تبارك وتعالى يؤكِّد بأساليب في كتابه الكريم، من نحو: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: 11]، فهنا يجعل ربنا تبارك وتعالى سببَ هداية قلب هذا العبد بصدق الإيمان به سبحانه: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، ونجد في موضعٍ آخر: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69].
وإذا أردنا أن نعود فننظر في حادثة الهجرة سيتأكَّد لنا هذا المعنى؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم –لا شك، وهو المبلِّغ عن ربِّه سبحانه، سيِّد الأولين والآخرين– أخذ مع ذلك كلِّه بكل الأسباب: من تخطيطٍ عسكري، وسياسي، وأمني، وإعدادٍ للرحلة، وتخطيطٍ لما بعد الوصول، وتهيئةٍ لما قبل الرحلة، وكذلك فعل صاحبه الصدِّيق رضي الله تعالى عنه.
فمن أجل ذلك –بسبب ما لا ريب أنه في حقِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو المبلِّغ عن ربِّه، وبوحيٍ منه سبحانه وتعالى– لكنه يعلِّم أمَّته الأخذَ بالأسباب مع صدق التوكُّل على الله سبحانه وتعالى؛ فظهر كلُّ ما تقدَّم ذِكرُه من خِصالٍ وُجِدت في كتاب الله عز وجل: من راسخ الإيمان، ومن الصبر، ومن الإحسان، ولا ريب من تقوَى الله عز وجل؛ ولذلك كانت النتيجة: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾.
ورسولُنا صلى الله عليه وسلم يقول كما في الحديث الثابت: «ما ظنُّك باثنينِ اللهُ ثالثُهما».