⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله أجمعين.
أما بعد؛ فالجواب أنه لا غرابة في أن يؤكد القرآن الكريم على خُلُق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين، بدر التمام، ومسك الختام، اجتمعت فيه محاسن الرسالات السابقة، واشتمل على أجمل السجايا وأفضل الخصال التي تفرقت في الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام قبله، واصطفاه الله عز وجل ليكون النبي الخاتم الذي يأتي بالمعجزة الخاتمة، وبالشرعة المهيمنة على الشرائع قبلها، وبالدين الوسط في الأمة الوسط التي تكون شهيدة على الأمم كلها.
فلا غرابة في أن يشهد القرآن الكريم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأعلى الصفات وأحسنها وأفضلها، وهذا يتكرر في كتاب الله عز وجل في مواضع شتى؛ كما في قوله سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]، وفي قوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ، عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ، حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ، بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]، وفي قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ، وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ، وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199].
لكن الغرابة أن يكون خُلُق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دليلا على صدق ما أوحي إليه؛ ففي سورة القلم، في هذه الآية الكريمة التي نستشهد بها كثيرا للاستدلال على شهادة الله تبارك وتعالى لنبيه المصطفى ورسوله المجتبى عليه الصلاة والسلام بأعظم الشمائل وأسمى الأخلاق وأفضل القيم، في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، وبهذه المؤكدات اللغوية التي لا مزيد عليها، يكثر اقتباسنا لها في بيان منزلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند ربه، أو في التمهيد للتذكير بأهمية الاقتداء به والاتساء به عليه الصلاة والسلام.
يفوتنا أن ندرك أن هذه الآية الكريمة في هذا السياق، في سورة القلم التي هي من أوائل ما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم – قيل: إنها السورة الثانية بعد العلق، وقيل: بعد العلق والمزمل والمدثر جاءت سورة القلم – يفوتنا أن ندرك حقيقة مهمة، وهي أن الله تبارك وتعالى يقيم الحجة على المخاطَبين المكلَّفين، وهم في هذه الحالة أهل مكة الذين وسموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما وسموه به من المساوئ والتُّهَم والأباطيل حينما بلغهم وحيُ الله تبارك وتعالى الذي تلقاه.
فإن الله تبارك وتعالى يقيم الحجة عليهم بصدق ما جاء به من خلال ما يعرفونه من خُلُقه العظيم؛ فالقرآن نفسه يستشهد بخُلُق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على صدق هذا الوحي، يقيم على المخاطَبين الحجة أن الذي يعهدون من خُلُقه عليه الصلاة والسلام هو دليل ساطع، وبرهان واضح، وحجة قائمة، أنه صِدق وحق من عند الله تبارك وتعالى.
إذا بلغ الحال بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الموصوفة أنها في أسمى ذروة القيم والآداب والشمائل والأخلاق، أن تكون حجة على صدق وحي الله تبارك وتعالى، فهذا هو شأن أخلاقه صلى الله عليه وآله وسلم: إنها بلغت حد الاحتجاج بها على صدق وحي الله تبارك وتعالى المنزل على نبيه الخاتم المصطفى محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وهذا نأخذه من هذا المعنى الظاهر، كما نأخذه أيضا في هذا السياق القرآني من جملة دلالات؛ أولا: لم يتقدم وحيٌ يصوغ لرسول الله صلى الله عليه وسلم خُلُقه، ويوضح له سجاياه؛ فهذا في بدايات الوحي، إلا أن النكتة هنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان سليم الفطرة، وأخلاق هذا الدين موافقة للفطرة السليمة؛ وكان متحنِّفا على حنيفيَّة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وهذه الدعوة الخاتمة جامعة لميراث إبراهيم الخليل وسائر الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام قبل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ كان من حيث إنسانيته في الذروة العليا، وأخلاق هذا الدين تنسجم تماما مع القيم الإنسانية الرفيعة التي يسمو إليها كل عاقل.
ثم إننا نعلم من خلال التهمة التي تنفيها السورة الكريمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله، في جواب القسم: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: 2]، أن هذه التهمة صدرت من أهل أهواء وزيغ وفساد وباطل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم نشأ فيهم، هو الذي: ﴿بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ، يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ، وَيُزَكِّيهِمْ، وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: 2]، ومع ذلك فما أثَّرت فيه هذه البيئة في أن تتنقَّص من أخلاقه وسجاياه الكريمة.
ثم إنها – أي هذه الآية الكريمة – بعد نزولها، وهذا مَلْحَظ ينبغي أن ننتبه إليه أيضا؛ لأنه يؤكِّد منزلة أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي هذا الدرس عِبْرة كبيرة للمسلمين اليوم: أن الأيام ما غيَّرت هذه الحقيقة؛ فما تمكن المشركون – حتى بعد نزول هذه الآية الكريمة في بداية الوحي إلى أن انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بارئه، إلى الرفيق الأعلى – ما وجدوا مدخلا يقدحون منه في خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقدحوا من بعدُ في صدق القرآن الذي أُنزل عليه، مع أن السياق نفسه يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيواجه من أصحاب الأباطيل والوِشايات والنميمة والكذب والتزوير والعداوة الظاهرة ما لا مزيد عليه، بدليل ما جاء من مؤكدات بعد هذه الآية الكريمة: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ، وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ، وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ، هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ، مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ، عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ، أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ [القلم: 8-14].
فمع هذا الذي وطِّئت له نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم مما سيلاقي، وبيان هذه العداوة المتوغِّلة في نفوس من بُعث فيهم؛ إلا أنهم مع ذلك ما وجدوا مدخلا يقدحون منه في خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقدحوا فيه من بعدُ، ويشكِّكوا في صدق الرسالة والوحي الذي أُكرم به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.