⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لِنَفْهَم أولا أن هذه المنزلة الخُلُقية العالية، هذا الكمال البشري الذي بُوِّئَه رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم، قد بَوَّأه ليكون في محلِّ الاتِّباع والاقتداء في ذاته، ليس في شيء من شمائله وسجاياه فحسب، وإنما في ذاته؛ فالله تبارك وتعالى خاطَبَنا بذلك حينما قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ، وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]؛ فهو في ذاته قدوة وأُسوة لسائر المخاطَبين من بعد، في كل شمائله وأخلاقه وآدابه، في أقواله وأفعاله، في ثباته وصبره، في قوته وعزته، في كل ما يأتيه وما يذَرُه؛ فهو عليه الصلاة والسلام قدوة للمخاطَبين، قدوة للناس أجمعين.
سورة القلم التي فيها هذه الشهادة الربانية من ربنا جل وعلا لنبينا صلى الله عليه وسلم بالخلق السامق النبيل الذي لا مزيد عليه لرسولنا صلى الله عليه وآله وسلم، تشير إلى مقدمات لهذه الأخلاق؛ في صدارة هذه المقدمات: العلم؛ فالله تبارك وتعالى يقول: ﴿ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: 1]؛ هذه الكلمات القرآنية كلها كلمات تشعُّ علما ونورا وتعلُّما وهداية، وهي متناسبة تماما مع أول ما نزل من الوحي في قول الله تبارك وتعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5].
كما أنها أيضا تشتمل على معنى لطيف يُؤخذ من قول الله تبارك وتعالى جوابا لهذا القسم: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾؛ إذ كان يمكن في غير كتاب الله عز وجل أن تكون الجملة صحيحة بقول القائل: "ما أنت بمجنون" لنفي التهمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن التذكير بالنعمة – بنعمة الربِّ القدير المتولِّي عباده بالرعاية والنِّعم والتربية، الذي يشملهم بإحسانه وفضله ورعايته – هذا التذكير داعيةٌ لشكر هذه النِّعَم، والاعترافِ بها، وإسنادِها إلى المنعِم بها وهو الربُّ الجليل القدير سبحانه وتعالى.
ثم إننا نجد أيضا هذه المبادرة إلى الترفيه والتسلية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في السياق القرآني في هذا الموضع، في قوله سبحانه: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ [القلم: 3] قبل قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾؛ إشارة إلى الإخلاص اللازم من هذا العبد حتى يبلغ هذه المنزلة؛ فهو عليه الصلاة والسلام حينما بلغ الأربعين ونزل عليه الوحي حينَئِذٍ، في كل المرحلة التي كان قبلها، ما كان يرجو من أهل مكة مدحا ولا ثناء، ولا جزاءً ولا شكورا؛ ولما نزل عليه هذا الثناء العاطر في كتاب الله عز وجل بهذه المنزلة وبهذا الوعد، هذه التسلية: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾، ما غيَّر ذلك من خُلُقه ولا سجاياه، وهذا دليل الإخلاص لله تبارك وتعالى.
إذًا نحن بحاجة إلى هذه المقدمات: العلم، ثم الشكر، ثم الإخلاص.
ما يأتي بعد قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ يدعو أيضا إلى التذكير بأهمية الثبات؛ فإن الأخلاق يمكن أن يبلغها المرء، لكن هل يثبت عليها؟ وهل يتمكَّن منها بحيث إنه يحمل نفسه على الأخلاق الكريمة الفاضلة في كل أحواله، في سروره وحزنه، في سِلْمه وحَرْبه، في خلوته وحينما يكون في جمع من الناس، في منشطه ومكرهه، أو أنه يجعل من الأخلاق مطيَّة للوصول إلى مصالح دنيوية متوخَّاة؟
فأمر الأخلاق لا يكون بمجرد الدخول في الإسلام، بل لا بد أن يكون في هذا الدين قائما على هذه الأسس التي تبدأ بالعلم، ولا بد أن يُؤسَّس على ثباتٍ على هذه المبادئ والقيم.