مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

تقديم السمع على البصر

ما الحكمة من ترتيب السمع والبصر والفؤاد في الآية، ولماذا جاء السمع مفردًا والبصر جمعًا في مواضع أخرى؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فصحيح أن أغلب آيات الكتاب العزيز يرد فيها ذكر السمع قبل البصر، لكنها لكننا لا نجد هذا في كل آيات الكتاب العزيز، بل في أغلبها، إذ هناك مواضع يتقدم فيها البصر على السمع، كما أن هناك آيات يتقدم فيها الأعين على الآذان، وهناك آيات يتقدم فيها أو يتقدم فيها ذكر الأذن على العين، آيات قليلة. وخاض العلماء كثيرا في بيان الحكمة من هذا، ومنهم من أتى بما هو مقنع تطمئن النفس إليه، ومنهم في حقيقة الأمر من أبعد النَّجْع، وأذكر هنا ما تطمئن إليه نفسي. أولا: ينبغي أن يُنظر إلى كل سياق على حدة، فالأصل أن يُنظر إلى السياق الذي وردت فيه الآية الكريمة التي فيها ذكر السمع والبصر، لينظر في الحكمة من هذا التقديم أو التأخير في ذلك الموضع الذي وردت فيه الآية الكريمة؛ فقد يكون هناك ذكر لحجج الأصل فيها أن تكون مواعظ مسموعة، تقوم حجتها بالسماع، أو تترتب آثارها والمؤاخذة بها على السماع، فيتقدم ذكر السمع على البصر. وقد يقتضي السياق أن الموضوع المخاطَب به يتعلق بمبصرات، بحجج وآيات وبراهين، أو بعواقب وآثار تستدعي النظر، تستدعي الإبصار. إذًا المبدأ الأول أن يُنظر في هذه الآيات استقلالا، لكل آية منها حكمة تتناسب مع السياق الذي وردت فيه، قبل أن ننظر في مجموع هذه الآيات والحكمة منها، وهذا هو الأصل في سائر النظر في آيات الكتاب العزيز. الأمر الثاني: وهذا دار عليه حديث كثير من أهل التفسير من المتقدمين والمتأخرين، وهو أمر يتعلق بالمفاضلة بين السمع والبصر؛ فجنحت طائفة منهم إلى تفضيل السمع على البصر، ومنهم من فضَّل البصر على السمع، ولا أظن أن التفضيل إنما هو باعتبار أيهما الأفضل على الإطلاق، وإنما هو تفضيل نسبي بحسب منافع الجارحة في ذلك السياق أيضًا. فيقولون: إن السمع أوسع وأشمل، والبصر أقوى وأكمل؛ لأن السمع لا يقتصر على جهة واحدة، وإنما يشمل كل الجهات، ولا يقتصر على حالة واحدة، وإنما في كل الأحوال، في الظلمة وفي الضوء، في النهار وفي الليل، في كل الأحوال، فهو أعم وأشمل، لكن النظر أقوى وأكمل، هذا تعبيرهم. والذي يظهر لي أن السمع يتعلق به جارحتان، وإن عُبِّر عنه بالسمع، إلا أنه في مواضع أخرى يَرِد التعبير بالصمم، والصمم ينصرف إلى فقدان السمع والنطق، فهو يتعلق بجارحتين، ولا شك أن الوصف الذي تتعلق به جارحتان أولى بالتقدُّم من الوصف الذي تتعلق به جارحة واحدة وإن عظمت منافعها. وهذا مما لم أر كثيرًا يتعرض له: أن السمع، لا سيما من وُلِد أصم، فإنه يفقد النطق في الغالب فيكون أبكم لأنه أصم؛ ولذلك نجد هذه المواضع التي يتقدم فيها السمع حتى مما لا يتصل بقيام حجة أو براهين يدعونا الكتاب العزيز إلى أن نعتبر بها وأن ننظر فيها، ويكون المقصود قيام الحجة علينا بها، وإنما قد يكون المقصود كما في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾، فبارتباط جارحة النطق –اللسان– بجارحة السمع أو آلة السمع أيضًا، فكان المقصود الحديث عن جارحتين لا عن جارحة واحدة. الأمر الثالث: وهذا غير بعيد، وكثير من البحوث العلمية تؤكد أن الذي يكتمل أولا من جوارح هذا الإنسان السمع قبل البصر، يكتمل في المرحلة الجنينية، ثم بعدما يولد الطفل فجارحة السمع تكتمل أسبق من جارحة البصر في المرحلة الجنينية وفي مرحلة الطفولة، ولذلك يسمع الأصوات وهو في بطن أمه، وهذا ثبت علميا الآن. كذلك فإن السمع هو آخر ما يُفقد حينما ينام النائم، فإنه يفقد جارحة الإبصار أولا ثم بعد ذلك السمع، والعكس حين الاستيقاظ، فعندما يستيقظ يبدأ بالسمع ثم بالبصر؛ فإن الصوت المزعج هو الذي يوقظه، أما لو أتيته بأمر عظيم هائل يُنظر إليه لما أحدث ذلك فرقا؛ لأنه فقد جارحة الإبصار، فقد القدرة على الإبصار في منامه. فقد يكون من الحِكَم الالتفات إلى هذا المعنى، إذًا مجموع هذه الحكم هي التي يُؤخذ منها السبب في تقديم السمع على البصر. نعم، أما السؤال الآخر المتعلق بالجمع والإفراد: فإن السمع مصدر، أصله مصدر، والمصادر حتى وإن استُعملت أسماء فإنها تُذكَّر وتُفرد، يُؤتى بها مفردة بصيغة التذكير، وهذا ما لا يوجد في الإبصار. ومع ذلك فإن نفس القاعدة السابقة فيما يتعلق بالنظر إلى الآيات استقلالا وفي موضعها من السياق الذي وردت فيه هو الذي يُعوَّل عليه أكثر؛ هذا السمع يذكر ويفرد؛ لأنه أصيل في المصدرية كما يقال. ومع ذلك فإن أيضًا طائفة من المفسرين التفتوا إلى أن المسموعات جنسها واحد، أما المبصرات –المرئيات– فهي متنوعة مختلفة؛ أما هناك فالمسموع هو صوت، قد يكون شديدا جهوريًا، قد يكون رقيقًا رَخْوًا، لكن دائرة المسموع من الصوت، أما المبصرات فإنها متنوعة مختلفة، ولذلك روعي هذا المعنى أيضًا. والله تعالى أعلم.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠👁 2 مشاهدة
🎬

#سؤال أهل الذكر | الأحد 31 مارس 2019م

القرآن الكريم

✦ فتاوى مشابهة

ترتيب السمع والبصر

2 👁

ما الحكمة من تقديم السمع على البصر في قوله تعالى: إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا، ولماذا أفرد السمع وجمع البصر في مواضع أخرى؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣‏/٣‏/٢٠١٩

ترتيب السمع والبصر

2 👁

ما الحكمة من تقديم السمع على البصر في قوله تعالى: إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا، ولماذا أفرد السمع وجمع البصر في مواضع أخرى؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

دلالة إفراد السمع

2 👁

ما دلالة أن السمع يأتي مفرداً والبصر جمعاً مقترنين في القرآن الكريم؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٣‏/٣‏/٢٠٢٥

السمع والبصر والفؤاد

2 👁

في قوله تعالى: «وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة»، هل السمع والأبصار والأفئدة وسائل توصل إلى المعرفة وبها يكتسب العلم، وهل يوجد فرق بين العلم والمعرفة؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١١‏/٣‏/٢٠٢٥

قراءة القرآن وقت الأذان

13 👁

ماذا يفعل من كان يقرأ القرآن فأذن المؤذن، هل يواصل القراءة أم يجيب المؤذن؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٩‏/٥‏/٢٠١٨

حكم قراءة القرآن بلا وضوء

4 👁

ما حكم قراءة القرآن بتحريك اللسان والشفتين من غير وضوء، مع بيان الخلاف الفقهي؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٦‏/٧‏/٢٠١٨