⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لا هامة ولا عدوى ولا صفر».
والمراد نفي أن تكون هذه المذكورة مُحدِثة للأثر بذاتها، أي على مثل زعم أهل الجاهلية؛ فقد كان أهل الجاهلية يظنون، يعتقدون أن العدوى تُحدِث الأثر بذاتها، كانوا يتشاءمون، وكانوا يعتقدون أن الهامة تُوجِد الأثر، فهي مُوجِدة للأثر.
والهامة قيل: إنه طائر، وبعضهم قال أيضاً – من أهل الجاهلية – إنه طائر البومة؛ فإذا ظهر في دار أو فناء فإنما هو نذير شؤم بوفاة صاحب الدار أو أحد أهله، أو أنها قتيل لم يؤخذ بثأره، وأنها تقول: «اسقوني اسقوني».
وصفر أيضاً اختلفوا فيه؛ فقيل: إنه دابة تظهر أو تصيب بطن الإنسان، تصيبه بما تصيبه به من الآلام، وقيل: إن صفر هو الشهر المعروف، ولذلك كانوا ينسأون الأشهر الحرم؛ لأنهم يتشاءمون من شهر صفر.
اعتقاد أهل الجاهلية أن هذه المذكورة في الحديث أنها بأوصافها مُحدِثة للأثر بذاتها وبطبيعتها، نفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهل الجاهلية؛ فما هذه الأسباب إلا مجردة، وإلا فإن مُسبِّبها هو الله تبارك وتعالى، ونفى عنهم ذلك الوصف، وبيَّن أن ما يحدث في هذه الحياة إنما هو بتقدير وتدبير من الله عز وجل؛ هو الذي يُحدِث هذه الأسباب، هو الذي يجعل هذه الأسباب المُفضِية إلى نتائجها، وهو الذي يعطِّل هذه الأسباب.
ولذلك حينما قال له الأعرابي: هذه الجِمال تكون معنا في الصحراء كالظباء، فإذا دخل عليها بعيرٌ أجرب عداها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فمن أعدى البعير الأول؟» ليبين له أن ذلك إنما هو بتقدير من الله تبارك وتعالى، لا بالعدوى نفسها.
مرة أخرى أيضاً: لا يُظَنُّ أن نفي هذه المذكورة – ومنها العدوى – يعني نفي حقيقة وجودها في الحياة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه يقول: «لا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ» – أي لا يُورِد صاحبُ الإبل المريضة على صاحب الإبل الصحيحة – حتى لا تصيبه بالعدوى، وقد تقدَّم في حديث: «إذا سمعتم بالطاعون في أرض فلا تقدموا عليها، وإذا كنتم بها فلا تخرجوا منها»، وحديث: «فِرَّ من المجذوم فرارك من الأسد».
فكل هذه لبيان أنها مجرد أسباب، وأن هذه الأسباب إنما يُحدِث أثرها الخالق الحكيم جل وعلا، وأن المرء، أن المسلم مأمور بالأخذ بهذه الأسباب.
والله تعالى أعلم.