⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
المقصود من هذا: لِمَ لَمْ تكن الهجرة خارقة للعادة؟ كل ذلك ابتلاء؛ فالمعجزة الخارقة للعادة التي تكون إما بطلب من الأقوام أو بمدد وتأييد من الله تبارك وتعالى لأنبيائه ورسله لإثبات صدق رسالتهم ونبوتهم، إنما هي ابتلاء للمخاطَبين المكلَّفين الذين بُعث فيهم ذلك النبي أو الرسول، وكذا الحال بالنسبة لما سوى المعجزات.
فنحن إذا تحدثنا عن حادثة الهجرة وقارناها بحادثة الإسراء والمعراج؛ فحادثة الإسراء والمعراج، والتي كانت مددا محضا من الله تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، نجد أن هذه المعجزة ابتُلي بها الناس، امتحنوا بها، امتحن بها صدق إيمانهم، فهو امتحان إيماني معنوي لصدق الإيمان؛ ولذلك نجد أن هناك من كذَّب، وهناك من شكك وتردد، وهناك من ثبت، وهناك من قال: أصدقه في الخبر يأتيني به من السماء، فكيف لا أصدقه في هذه، كما ثبت عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
وحادثة الهجرة هي امتحان عملي لإيمانهم بالله تبارك وتعالى، فالله عز وجل هو الذي ينوع هذه الابتلاءات على عباده.
هذا جانب؛ أما الجانب الآخر، فلأن ربنا تبارك وتعالى أودع في حادثة الهجرة جملة من الحكم والأحكام والأسرار لعباده المؤمنين، فلم يُرِد لها أن تكون خارقة للعادة، أن تكون خارج الإمكان في ذاتها في حدوثها، وإنما أُريد لها أن تكون وفقا لنواميس ثابتة أمر العباد أن يأخذوا بها.
ولذلك نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطط لها تخطيطا دقيقا؛ يخطط لها تخطيطا سياسيا، فقد كان يعرض نفسه على القبائل وأفخاذ القبائل يطلب منهم الجوار والحماية، فما استجاب له إلا الأنصار الأوس والخزرج، فكانت بيعة العقبة الأولى، ثم الثانية، ثم بيعة العقبة الكبرى، هذا إجراء في حقيقته إجراء سياسي سابق على هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة؛ لأنه في بيعة العقبة –أي في بيعة العقبة الكبرى– أخذ وأعطى؛ أخذ منهم عهدا بأن يحموه مما يحمون منه نساءهم وأطفالهم، وأن يوفروا له الجوار والحماية، وأعطاهم ثمنا أوحاه إليه ربه جل وعلا، وهو الجنة؛ فهذا هو التدبير السياسي.
ثم نجد جملة من التدابير الأمنية: من إخفاء المسير؛ حتى عندما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر الصديق أتاه في غير الوقت، أتاه وقت الهجير، في غير الوقت الذي يأتيه فيه عادة، وفي بعض الروايات أنه أتاه متقنِّعا، حتى إن أبا بكر لما أُخبر بمجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: في هذه الساعة؟ والراوي يقول –أو الراوية تقول–: في غير الساعة التي كان يأتيه فيها؛ فقد أخفى عنه أمر المسير.
ثم إنه اتخذ تدبيرا أمنيا آخر باستئجار عبد الله بن أريقط دليلا للطريق، وأن يلاقيَهما بعد ثلاثٍ في غار ثور، وغيَّر من الطريق، ساحل بالطريق في طريقه من مكة إلى المدينة المنورة، لم يأتِ من الطريق المألوفة، وأمر من يأتيه بالأخبار، ومن يأتيه بالزاد والطعام، ومن يمحو الآثار؛ كل هذه إجراءات احتياطية احترازية، فيها من التخطيط الأمني والعسكري ما لا مزيد عليه.
فلذلك كانت الهجرة ترجمة حقيقية للأخذ بالأسباب مع التوكل على الله تبارك وتعالى، وفي ذلك –لا ريب– تعليم للمؤمنين، تعليم لهذه الأمة في الاقتداء والاتساء به عليه الصلاة والسلام في التخطيط لشؤونهم جميعا، لاسيما في الأمور ذات الشأن التي تكون أمورا فارقة يرجع أثرها على الأمة بأسرها، وعلى حركة الأمة، وعلى الدعوة نفسها، وعلى قوة الدولة، في كل شأن من الشؤون نجد أن حادثة الهجرة تعطي هذا الدرس لتكون –كما تقدم– قدوة وأسوة للمؤمنين.
ثم إنها حجة من الله تبارك وتعالى على عباده: أنه مهما اشتدت الظروف، واحنولك الظلام، فإن على المسلم دائما أن يتعلَّق بالأمل والرجاء، وأن يبحث عن آفاق جديدة، وأن يبحث عن متنفس جديد للدعوة إلى الله تبارك وتعالى؛ كل هذه الأسباب تؤكد لِمَ لَمْ تكن حادثة الهجرة خارقة للعادة.
ومع ذلك فإن وجوه إمداد الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم ولجماعة المؤمنين بمدد من عنده ظاهرة جلية في حادثة الهجرة؛ بمعنى أنه متى ما أخذ العبد بالأسباب، فإن الله تبارك وتعالى يضاعف له النتائج التي وعده إياها…