⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أيضًا تقدَّم قدر لا بأس به من بيان هذه القضيّة، لكن هناك كان في سياق آيات سورة الأنعام: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ إلى قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا﴾ إلى آخر السياق القرآني، وبيَّنا ما فيه.
لكن ملاحظته في محلها، وينبغي التنبه إلى جملة أمور:
أصلُها أن القرآن الكريم كتابُ هداية، هو ليس كتاب عرضٍ تاريخي يسرد الأحداث وفقًا لتسلسل حدوثها، وإنما هو كتاب هداية وتشريع وإيمان، فيأخذ من قصص الأنبياء والمرسلين ويعرض سيرهم وفق ما يحقق تلك المقاصد والغايات، هذا لابد أن يكون واضحًا حتى لا يحتج محتج بأن هناك خللًا في التسلسل الزمني لعرض الأنبياء والمرسلين.
التنبيه الثاني: أن إسماعيل عليه السلام ورد ذكره مع أبيه، وورد ذكره استقلالًا، وورد ذكره في سياقات مع غيره من الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام؛ ورد ذكره مع أبيه في سورة مكية وهي سورة إبراهيم، وهذا ملحظ مهم؛ لأن بعض المشككين يطعن في أن نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم ما تكلّم عن إسماعيل إلا بعد الهجرة ليَخطِب ودَّ بني إسرائيل –اليهود– فهم يعترفون بنبوّة إسحاق، فيريد –بحسب زعمهم– أن يثبِت صلةً بين إسحاق وإسماعيل، ويعلمون أن العرب من نسل إسماعيل، لكن هذه الدعوى، هذه الشبهة مردود عليها، وهي منتفية ضعيفة؛ لأن سورة إبراهيم وهي سورة مكية ينص الله تبارك وتعالى فيها على ذكر إسماعيل، قال الله تعالى على لسان إبراهيم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [إبراهيم: 39]؛ إذًا هذا من السياقات التي ورد فيها ذكر إسماعيل وإسحاق في قرن واحد، ونجد ذكر إسماعيل مستقلًّا كما تقدم، ونجد ذكره في سياقات مع غيره من الأنبياء والمرسلين.
ننتقل إلى التنبيه الثالث: بعد تصنيف المواضع التي يرد فيها ذكر إسماعيل: إسماعيل نبيٌّ بُعِث في العرب، وميراث نبوته، ميراث رسالته بقي فيهم، فقد توارث العرب جيلًا بعد جيل كثيرًا من الشعائر والمناسك من هدي إسماعيل، من رسالة إسماعيل عليه السلام، ولذلك غالبًا ما يذكر حينما يذكر مع غيره من الأنبياء والمرسلين سنجد أنه يُذكَر مع الأنبياء الذين بُعثوا إلى العرب: هودٍ وصالحٍ وشعيبٍ عليهم السلام جميعًا؛ بينما إسحاق وذرية إسحاق هم من أنبياء بني إسرائيل، ولذلك فإنهم يُذكرون في المواضع والسياقات التي يرد فيها ذكر بني إسرائيل وذكر أنبياء بني إسرائيل، سواء ورد ذكر إسحاق مع أبيه إبراهيم عليهما السلام أو ورد استقلالًا.
إذًا ننتبه إلى هذه المواضع؛ لأن السياق هو الذي يحددها، هو الذي يدعو إليها؛ فإذا كان الحديث عن شيء من سير بني إسرائيل وقصصهم وأخبارهم ومواقفهم مع أنبيائهم، وورد فيها ذكر إبراهيم عليه السلام أو أحد أبنائه، فإن إسحاق ويعقوب هما اللذان يُذكَران ولا يُذكر إسماعيل؛ لأنه ليس من أنبياء بني إسرائيل.
والتنبيه الأخير –ونحن نضع هنا المبادئ التي من خلالها نفهم آيات الكتاب العزيز– أن ذكر الأنبياء والمرسلين يكون بحسب الخصال المطلوبة، المطلوب إظهارها؛ فإذا كانت صفة الصبر –على سبيل المثال– نجد إسماعيل، وهذا صريح في كتاب الله عز وجل في موضع، نوع الخصلة أو الصفة التي يثني عليها الله تبارك وتعالى ويُظهرها في ذلك السياق القرآني يأتي معه ذكر الأنبياء الذين كانت فيهم تلك الخصلة أظهر، فلا بد أن ننتبه لذلك؛ فإذا كانت تلك الخصلة في إسحاق أظهر فإن إسحاق يُذكر، وإذا كانت في إسماعيل أظهر عليه السلام، أو كانت في غيرهم، فإنهم هم الذين يُذكرون بحسب العبرة والعظة والخصلة التي يُظهرها ذلك السياق القرآني.