⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الجواب: أولًا، مرة أخرى في السؤال قدر من التعميم؛ ففيما يتعلق بأصناف من الوقف المؤقت، هذه وُجدت في عموم تراث المذاهب الإسلامية –وسيذكر أمثلة لها– كما أنه أيضًا هناك قدر من المبالغة في نسبة القول بجواز الوقف المؤقت عند جماهير العلماء المعاصرين؛ فأيضًا لم يستقر القول لدى جمهور العلماء المعاصرين بإجازة الوقف المؤقت.
الآن لنبين فقه المسألة: الأصل في الوقف الديمومة؛ صحيح، لأنه كما ورد في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هو تحبيس للأصل وتسبيل للريع أو المنفعة؛ إذًا الأصل في الوقف أنه يراد منه الديمومة والبقاء، ولذلك هو من أظهر الصدقات الجارية، وبحبس الأصل ينتفي ملك المالك الواقف، فيصبح –بالتعبير المجازي– ملكًا لله تبارك وتعالى، لا يوهب ولا يُتصرف فيه تصرف ناقل للملكية إلا لضرورة ووفقًا لأحكام شرعية.
هذا هو الأصل في الوقف، ومفهوم التوقيت في الوقف يتعارض مع هذا المفهوم، يتعارض مع حقيقة الوقف، وهذا هو سبب تحفظ كثير من الفقهاء –من المتقدمين ومن المتأخرين– على التوقيت في الوقف؛ لأنه بمجرد حبس الأصل ينتفي حق الواقف في التصرف في العين، طالما ثبتت الوقفية يصبح ملكًا لله تبارك وتعالى، له أن يختار ناظرًا أو وكيلًا يشرف على صرف الريع إلى الجهة الموقوف عليها، ولذلك وضعوا شرطًا آخر، وهو أن تكون الجهة الموقوف عليها جهة تتسم بالديمومة، فإذا انقطعت انتقل إلى جهة أخرى توصف أيضًا بأنها دائمة غير منقطعة.
لكن وُجد في تراثنا الإسلامي –في كل المذاهب الإسلامية– ترخيص في أنواع من الأوقاف كوقف المصحف الشريف، ووقف الحيوان؛ هذه صور وجدت في كل المذاهب الإسلامية، مع أن الحيوان يهلك، والمصاحف تتلف وتفنى، ولكننا نجد أن جماهير العلماء –إن لم يكن هناك اتفاق– فلا من القول بأن جماهير العلماء أجازوا وقف المصاحف ووقف الحيوان، وجعلوا هذه الرخصة خاصة بالمنقولات التي من استعمالها منافع، وإن كانت لا تتسم هذه المنقولات بديمومة البقاء؛ فالحيوان كما تقدم يهلك، لكن المنفعة إنما هي في ركوبه والانتفاع منه مدة حياته، وكذا الحال بالنسبة للمصاحف.
فالأصل في الوقف –بناء على التعريف المتقدم– هو أن يوجد أصل، لا أن يكون من المنقولات؛ لأن طبيعة المنقولات أنها تفنى وتهلك، لكن رخَّصوا فيما كان من المنقولات كانت له منفعة يمكن الاستفادة منها وإن كان قابلًا للفناء والهلاك.
الآن: الوقف المؤقت بالصور المعاصرة؛ من الفقهاء من يقيس هذا التوقيت في الوقف على هذه الأنواع من وقف المنقولات: كوقف المصاحف ووقف الحيوان، ووجد أيضًا من الصور التي حتى صدر بها قرار من مجمع الفقه الإسلامي: وقف النقود، أن تُخصَّص مبالغ نقدية وتُجعل وقفًا، يعني يُقترض منها المحتاج، يُعان بها –على سبيل القرض– الفقير والمسكين، هذه وجوه، مع أن النقود تتغير قيمتها الشرائية، ويمكن أن يُستبدل بها، ويمكن أن تفنى… إلى آخره؛ لا تتسم بالديمومة.
إذًا: انقسم هنا الفقهاء حول التوقيت في الوقف في صوره المعاصرة إلى قولين:
القول الأول: يرى المنع؛ لتعارض فكرة أصل التوقيت مع أصل الديمومة في الوقف، ورأوا بأن من الصور التي استند إليها القائلون بالجواز: صورة العُمْرَى، والواردة في حديث جابر بن عبد الله عند الإمام الربيع، وعند الإمام مالك، وعند الإمام مسلم في صحيحه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عليه الصلاة والسلام: «من عُمِر له عُمْرَى له ولعقبه فهي لمن أُعطيَ إياها أبدًا» كما هي رواية الإمام الربيع.
فالخلاف في العُمْرَى –والتي تعني الهبة مدة حياة المعطي أو مدة حياة المعطى له ولعقبه من بعده– أجزها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن تكون هبة، فتنتقل لمن يُعطَى إياها أبدًا، تنتقل من المالك الأول لها مع أنه قيد: قال له ولعقبه من بعده في الإعطاء، في التمليك، اشترط أن تكون له ولعقبه من بعده.
فرسول الله صلى الله عليه وسلم جعلها لمن أُعطِيت له أبدًا؛ فمسألة العُمْرَى –وأن يُقاس عليها– لا تصلح للاستشهاد نظرًا للخلاف الدائر في تعريفها، وفي صفتها: هل هي تمليك للعين، للرقبة، أو تمليك للمنفعة فقط؟ وأجازة رسول الله صلى الله عليه وسلم لها إنما كانت على سبيل التمليك.
ومن الفقهاء من يرى أن هذا التمليك الذي نص عليه حديث جابر بن عبد الله إنما هو في الحالة المذكورة في الصيغة نفسها: «له ولعقبه»، فإن لم تكن كذلك فهي لمن ملكها أولًا؛ أي: إن لم تكن، إن لم يُذكر أنها لعقبه من بعده أو لولده من بعده فله أن يستردها.
هذا الخلاف في مسألة العُمْرَى –وهي ليست الآن محل البحث– إنما لبيان أنه نظرًا لتوارد الاحتمالات على صورة العُمْرَى والرُّقبى أيضًا فإنها لا تصلح للقياس عليها فيما يتعلق بتوقيت الوقف؛ ولذلك ردُّوا على القائلين بجواز الوقف قياسًا على جواز الاشتراط في العُمْرَى بأن هذا الدليل عليهم؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلها على التأبيد لمن أُعطيت له.
إذًا لدينا الآن: القول بعدم جواز التوقيت؛ عدم جواز التوقيت: أنه مخالف لأصل الوقف، وأن القياس على العُمْرَى لا يصح في هذا الباب.
ويُفهَم منه قول من رأى جواز التوقيت، ورأوا أن هذا يشبه سائر التصرفات التي يصح فيها الاشتراط إلا شرطًا يُحل حرامًا أو يُحرِّم حلالًا، وهم رأوا أن هذا الشرط لا يُحرِّم حلالًا ولا يُحل حرامًا، وما رأوا مانعًا منه، وقاسوا على وقف الحيوان وبعض المنقولات، كما قاسوا أيضًا على مسألة العُمْرَى والرُّقبى.
الخلاصة: أن المسألة تحتمل الاجتهاد، وأن التجديد في صور الأوقاف يمكن أن يمتد في واقعنا المعاصر ليشمل صورًا حديثة جديدة كهذه، لكن لا يلزم –وقد أشار السائل مشكورًا لهذه القضية– لا يلزم أن يَصدُق عليها أنها وقف، وأن تُجرى عليها أحكام الأوقاف، وإنما يمكن أن تكون بصور الهبة، أو صور العارية، أو صور الصدقة، أو صور الاستثمار أو التثمير؛ يعني هناك أنواع من التصرفات يمكن أن تستوعبها.
فإن كان لا مناص من إضفاء صفة الوقفية، فلننظر في الصور التي أقرها جماهير فقهاء الإسلام من وقف الحيوان أو وقف المصحف؛ هنا هذه الصور هلاك الأعيان الموقوفة إنما هو هلاك طبيعي، ليس يأتي عليه عواد الزمان، وليس هو بتوقيت من الواقف؛ فما كان شبيهًا بها فلا مانع منه.
لنفترض أن مُحسنًا أراد وقف جهاز لفحص القلب –على سبيل المثال– أو لغسيل الكُلَى، من المعلوم أن هذا الجهاز لا يمكن أن يبقى على التأبيد والديمومة؛ سيتلف ويفنى، ويمكن أن تُكتشف أجهزة أخرى أفضل منه وأدق وأحسن، فهنا هذه الصورة لا مانع من الوقف فيها؛ لأنها شبيهة، فالهلاك الذي ورد على هذه العين الموقوفة هو هلاك طبيعي، وليس هو باشتراط من الواقف.
أيضًا: ما كان على سبيل التكرر؛ على سبيل المثال: أوجدوا الآن من صيغ الوقف أن يجعل الإنسان –إذا كان متخصصًا في مجال من المجالات– من وقته وقفًا؛ فيخصص –على سبيل المثال– إذا كان طبيبًا، فيخصص خمس ساعات في الأسبوع لعلاج الفقراء والمساكين، أو يتبرع بهذا الوقت: خمس ساعات في الأسبوع أو خمس ساعات في الشهر للعلاج في المركز الفلاني مجانًا؛ وقف للوقت، ومن المعلوم أنه لن يبقى هو حيًّا إلا لما قدَّره الله تبارك وتعالى له من عمر، ثم إن قدرته واستطاعته على الأداء أيضًا غير مضمونة؛ قد يطرأ عليه أي طارئ يمنعه من ذلك، لكنهم أجازوا مثل هذه الصور توسعةً للناس، ومراعاةً لاحتياجات الفقراء والمساكين ووجوه البر والخير في المجتمعات، فرخَّصوا فيها.
ولذلك قلت: إن الاجتهاد الفقهي يتسع لمثل هذه الصور حتى وإن سُمِّيت بأنها أوقاف مؤقتة.
… المسألة ليست محل إجماع بعدم جواز التوقيت في الوقف، يمكن أن يُنظر فيه، لكن حبذا لو كان النظر نظرًا جماعيًّا من مجامع الفقه الإسلامية، مع الانتفاع بما هو موجود في تراثنا الإسلامي، وإيجاد صور جديدة تحث الناس على فعل الخير، وتتوافق مع مقاصد الشريعة الإسلامية، وتحقق وجوهًا من البر والإحسان وسد حاجات المجتمع.