مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

حكم الوقف المؤقت

ما حكم الوقف المؤقت كوقف غرفة في مستشفى لعشر سنوات أو نسبة من أرباح شركة لخمس سنوات، وهل تكفي عقود أخرى كالهبة والعارية؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الجواب: أولا، مرة أخرى في السؤال قدر من التعميم؛ ففيما يتعلق بأصناف من الوقف المؤقت هذه وجدت في عموم تراث المذاهب الإسلامية، وسيذكر أمثلة لها، كما أنه أيضا هناك قدر من المبالغة في نسبة القول بجواز الوقف المؤقت عند جماهير العلماء المعاصرين؛ فأيضا لم يستقر القول لدى جمهور العلماء المعاصرين بإجازة الوقف المؤقت. الآن لنبين فقه المسألة: الأصل في الوقف الديمومة، صحيح؛ لأنه كما ورد في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو تحبيس للأصل وتسبيل للريع أو المنفعة، إذا الأصل في الوقف أنه يراد منه الديمومة والبقاء، ولذلك هو من أظهر الصدقات الجارية، وبحبس الأصل ينتفي ملك المالك الواقف، فيصبح – واقعيا يعني بالتعبير المجازي – ملكا لله تبارك وتعالى، لا يوهب ولا يتصرف فيه تصرف ناقل للملكية إلا لضرورة ووفقا لأحكام شرعية، هذا هو الأصل في الوقف. ومفهوم التوقيت في الوقف يتعارض مع هذا المفهوم، يتعارض مع حقيقة الوقف، وهذا هو سبب تحفظ كثير من الفقهاء من المتقدمين ومن المتأخرين على التوقيت في الوقف؛ لأنه بمجرد حبس الأصل ينتفي حق الواقف في التصرف في العين، طالما ثبتت الوقفية يصبح ملكا لله تبارك وتعالى، له أن يختار ناظرا أو وكيلا يشرف على صرف الريع إلى الجهة الموقوف عليها، ولذلك وضعوا شرطا آخر وهو أن تكون الجهة الموقوف عليها جهة تتسم بالديمومة، فإذا انقطعت انتقلت إلى جهة أخرى توصف أيضا بأنها دائمة غير منقطعة. لكن وجد في تراثنا الإسلامي في كل المذاهب الإسلامية ترخيص في أنواع من الأوقاف: كوقف المصحف الشريف ووقف الحيوان، هذه صور وجدت في كل المذاهب الإسلامية، مع أن الحيوان والمصاحف تتلف وتفنى، ولكننا نجد أن جماهير العلماء – إن لم يكن هناك اتفاق، أقل من القول بأن جماهير العلماء – أجازوا وقف المصاحف ووقف الحيوان، وجعلوا هذه الرخصة خاصة بالمنقولات التي من استخدامها، من استعمالها منافع، وإن كانت لا تتسم هذه المنقولات بديمومة البقاء؛ فالحيوان كما تقدم يهلك، لكن المنفعة إنما هي في ركوبه والانتفاع منه مدة حياته، وكذا الحال بالنسبة للمصاحف. فالاصل في الوقف – بناء على التعريف المتقدم – هو أن يوجد أصل، لا أن يكون من المنقولات؛ لأن طبيعة المنقولات أنها تفنى وتهلك، لكن رخصوا فيما كان من المنقولات كانت له منفعة يمكن الاستفادة منها وإن كان قابلا للفناء والهلاك. الآن: الوقف المؤقت بالصور المعاصرة من الفقهاء من يقيس هذه التوقيت في الوقف على هذه الأنواع من وقف المنقولات كوقف المصاحف ووقف الحيوان، ووجد أيضا من الصور التي حتى صدر بها قرار من مجمع الفقه الإسلامي: وقف النقود؛ أن تخصص مبالغ نقدية وتجعل وقفا، يعني يقترض منها المحتاج، يعان بها على سبيل القرض الفقير والمسكين، هذه وجوه، مع أن النقود تتغير قيمتها الشرائية، ويمكن أن يستبدل بها، ويمكن أن تفنى، إلى آخره، لا تتسم بالديمومة. إذا من الفقهاء من انقسم هنا حول التوقيت في الوقف في صوره المعاصرة إلى قولين: القول الأول: يرى المنع لتعارض فكرة أصل التوقيت مع أصل الديمومة في الوقف، ورأوا بأن من الصور التي استند إليها القائلون بالجواز صورة العمرى، والواردة في حديث جابر بن عبد الله عند الإمام الربيع، وعند الإمام مالك، وعند الإمام مسلم في صحيحه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عليه الصلاة والسلام: «من أعمر عمرى له ولعقبه فهي للذي يعطاها لا ترجع إلى الذي أعطاها، لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث» كما في رواية أخرى، أو كما هي رواية الإمام الربيع: «من عمر له عمرى له ولعقبه فهي لمن يعطى إياها أبدا». فالخلاف في العمرى – والتي تعني الهبة مدة حياة المعطي أو مدة حياة المعطى له ولعقبه من بعده – أجازها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن تكون هبة، فانتقلت من المالك الأول، مع أنه قيد: "له ولعقبه من بعده" في الإعطاء، في التمليك، اشترط أن تكون له ولعقبه من بعده، فرسول الله صلى الله عليه وسلم جعلها لمن يعطى إياها أبدا. مسألة العمرى وأن يقاس عليها لا تصلح للاستشهاد؛ نظرا للخلاف الدائر في تعريفها وفي صفتها: هل هي تمليك للعين، للرقبة، أو تمليك للمنفعة فقط؟ وإجازة رسول الله صلى الله عليه وسلم لها إنما كانت على سبيل التمليك. ومن الفقهاء من يرى أن هذا التمليك الذي نص عليه حديث جابر بن عبد الله إنما هو في الحالة المذكورة في الصيغة نفسها: "له ولعقبه"؛ فإن لم تكن كذلك فهي لمن ملكها أولا، أي إن لم يذكر أنها لعقبه من بعده أو لولده من بعده فله أن يستردها. هذا الخلاف في مسألة العمرى – وهي ليست الآن محل البحث – إنما لبيان أنه نظرا لتوارد الاحتمالات على صورة العمرى والرقبى أيضا، فإنها لا تصلح للقياس عليها فيما يتعلق بتوقيت الوقف؛ ولذلك ردوا على القائلين بجواز الوقف قياسا على جواز الاشتراط في العمرى بأن هذا الدليل عليهم؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلها على التأبيد لمن أعطيت له. إذا لدينا الآن القول بعدم جواز التوقيت: أنه مخالف لأصل الوقف، وأن القياس على العمرى لا يصح في هذا الباب. ويفهم منه قول من رأى جواز التوقيت، ورأوا أن هذا يشبه سائر التصرفات التي يصح فيها الاشتراط إلا شرطا يحل حراما أو يحرم حلالا، وهم رأوا أن هذا الشرط لا يحرم حلالا ولا يحل حراما، وما رأوا مانعا منه، وقاسوا على وقف الحيوان وبعض المنقولات، كما قاسوا أيضا على مسألة العمرى والرقبى. الخلاصة: أن المسألة تحتمل الاجتهاد، وأن التجديد في صور الأوقاف يمكن أن يمتد في واقعنا المعاصر ليشمل صورا حديثة جديدة كهذه، لكن لا يلزم – وقد أشار السائل مشكورا لهذه القضية – لا يلزم أن يصدق عليها أنها وقف وأن تجرى عليها أحكام الأوقاف، وإنما يمكن أن تكون بصور الهبة، أو صور العارية، أو صور الصدقة، أو صور الاستثمار أو التثمير؛ يعني هناك أنواع من التصرفات يمكن أن تستوعبها. فإن كان لا مناص من إضفاء صفة الوقفية فلننظر في الصور التي أقرها جماهير فقهاء الإسلام من وقف الحيوان أو وقف المصحف. هنا هذه الصور: هلاك الأعيان الموقوفة إنما هو هلاك طبيعي، ليس يعني يأتي عليه عواد الزمان، وليس هو بتوقيت من الواقف؛ فما كان شبيها بها فلا مانع منه. لنفرض أن محسنا أراد وقف جهاز لفحص القلب – على سبيل المثال – أو لغسل الكلى؛ من المعلوم أن هذا الجهاز لا يمكن أن يبقى على التأبيد والديمومة، سيتلف ويفنى، ويمكن أن تكتشف أجهزة أخرى أفضل منه وأدق وأحسن؛ فهنا هذه الصورة لا مانع من الوقف فيها؛ لأنها شبيهة، فالهلاك الذي ورد على هذه العين الموقوفة هو هلاك طبيعي طبعا، وليس هو باشتراط من الواقف. أيضا ما كان على سبيل التكرر: على سبيل المثال، أوجدوا الآن من صيغ الوقف أن يجعل الإنسان – إذا كان متخصصا في مجال من المجالات – من وقته وقفا، فيخصص – على سبيل المثال إذا كان طبيبا – فيخصص خمس ساعات في الأسبوع لعلاج الفقراء والمساكين، أو يتبرع بهذا الوقت، خمس ساعات في الأسبوع أو خمس ساعات في الشهر للعلاج في المركز الفلاني مجانا، وقف للوقت؛ ومن المعلوم أنه لن يبقى هو حيا إلا لما قدره الله تبارك وتعالى له من عمر، ثم إن قدرته واستطاعته على الأداء أيضا غير مضمونة، قد يطرأ عليه أي طارئ يمنعه من ذلك، لكنهم أجازوا مثل هذه الصور توسعة للناس ومراعاة لاحتياجات الفقراء والمساكين ووجوه البر في المجتمعات، فرخصوا فيها. ولذلك قلت بأن الاجتهاد الفقهي يتسع لمثل هذه الصور، حتى وإن سميت بأنها أوقاف مؤقتة. ... كل تصرف من هذه التصرفات يرتب أحكاما شرعية، ولذلك إذا قيل بأن هذه هبة فهذا يعني أنها خرجت من ملكه إلى الموهوب له، وللموهوب له أن يتصرف فيها كيفما شاء، أما إذا قيل بأن ذلك وقف فهذا يعني أنها – كما تقدم على سبيل المجاز – في ملك الله تبارك وتعالى، لا يملكها أحد من البشر يستطيع أن يتصرف فيها تصرفا ناقلا للملكية، وإنما تجعل، تُسَبَّل، تُنفق منفعتها أو ريعها أو دخلها في الجهة الموقوف عليها، هذه صورة أخرى، وإذا كانت صدقة من عموم الصدقات، ليست صدقة جارية، فهي ستجعل فيما تصدق فيه ذلك المحسن. وهكذا كل تصرف من التصرفات يرتب أحكاما شرعية؛ ولذلك بيّنت أن المجال الفقهي يمكن أن يتسع للاجتهاد في هذه الأنماط المعاصرة حتى تجرى عليها الأحكام؛ يعني المسألة ليست محل إجماع بعدم جواز التوقيت في الوقف، يمكن أن ينظر فيه، لكن حبذا لو كان النظر نظرا جماعيا من مجامع الفقه الإسلامية، مع الانتفاع بما هو موجود في تراثنا الإسلامي، وإيجاد صور جديدة تحث الناس على فعل الخير، وتتسم – يعني – تتوافق مع مقاصد الشريعة الإسلامية، وتحقق وجوها من البر والإحسان، وسد حاجات المجتمع.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠👁 2 مشاهدة
🎬

سؤال أهل الذكر | حلقة عامة | الأحد 14 مايو 2017م

الوقف الخيري

✦ فتاوى مشابهة

حكم الوقف المؤقت

2 👁

حكم الوقف المؤقت كوقف غرفة في مستشفى لعشر سنوات أو نسبة من أرباح شركة لسنوات محددة، وهل تكفي عقود أخرى بديلة.

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٤‏/٥‏/٢٠١٧

الوقف المؤقت والعارية والقرض

2 👁

ما الفرق بين الوقف المؤقت من جهة، وبين الإعارة أو القرض من جهة أخرى؟

👤ماجد بن محمد الكندي
٥‏/١٠‏/٢٠٢٤

أجر الهبة والوقف

2 👁

هل ينال المتبرع بغرفة في مستشفى أو مشروع خيري أجرًا كثواب الوقف والصدقة الجارية ولو سمي ذلك هبة أو تبرعًا لا وقفًا؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

توقيت الوقف

2 👁

هل يجوز أن يكون الوقف مؤقتاً غير مؤبد، وما أدلة الفقهاء على جواز توقيت الوقف؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

حكم الوقف المؤقت

4 👁

ما مشروعية الوقف المؤقت أو المحدود بمدة زمنية، وهل يجوز أن يجعل المسلم وقفًا لمدة معينة ثم يرجع إليه الأصل بعد انتهاء المدة بينما يدخل ريعه بعد المدة في أصل وقف آخر؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٩‏/٣‏/٢٠٢٥

أجر الوقف والهبة

2 👁

هل يختلف الأجر والثواب بين من يجعل عمله وقفا أو هبة أو صدقة جارية إذا كان المقصود نفع الفقراء؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٤‏/٥‏/٢٠١٧