⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لنبدأ أولًا ببيان هذه الصفات، ثم لننظر لِمَ لم يستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا ذر… هذه الصفات التي يرسيها القرآن الكريم لدى أتباعه – بلا مبالغة – التفكير الإبداعي؛ نعم، كل الأنبياء والرسل كانوا يدعون أقوامهم إلى إعمال عقولهم وإلى النظر في آيات الله تبارك وتعالى المبثوثة في الكون، وينعون عليهم – أي: دعاة أهل الكفر – ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 22]، ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 23]، وردت مرتين في كتاب الله عز وجل؛ نجد نعيًا وعتابًا شديدين في كتاب الله عز وجل على أولئك الذين يعطِّلون عقولهم ولا يعملون أفكارهم.
ولذلك نفهم لم كان أول ما نزل من وحي الله تبارك وتعالى على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5]… ولدينا إبراهيم عليه السلام وهو خير مثال للتفكير الإبداعي… فهذا يُراد منه أن يبعث في هذه النفس طاقة التفكير… فهذه الخصلة الأولى: التفكير، وأنا بدأت بها لأن كلمة ﴿اقْرَأْ﴾ كانت أول ما أُنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهي بوابة التفكير.
ثم الوضوح؛ وضوح ما نعرفه نحن اليوم بالرؤية والرسالة والهدف؛ هذه واضحة جليّة في كتاب الله عز وجل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1-4]، غاية في الوضوح فيما يدعو إليه هذا الدين. ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ ۖ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ۚ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: 29]، غاية في الوضوح… من كان في موضع مسؤولية وكان لديه غبش… فعليه أن يتعلم… ولا يصح له أن يأنف من التعلُّم…
الخصلة الثالثة… الثقة؛ والثقة أقصد بها ما كنت قد أشرت إليه فيما يتعلق بالإيمان: الحزم والقوة وعدم الضعف ونفي أسباب الارتياب والشك… يوسف عليه السلام قال: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 55]… لو كان يوسف في ضعف أو تردُّد، ولم يكن واثقًا… ما كان ليتأتى له ذلك… ومن ثقته قال: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾…
اسمع معي من أوائل ما أُمر – من أوائل خطاب الرسالة الذي أُوحي إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو خطاب سنجد أنه مليء بالقوة والثبات والثقة: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر: 1-7]، خطاب مليء بالدعوة إلى الثبات والقوة والحزم والثقة… لا يمكن أيضًا أن تكون القيادة الناجحة مبنيّة على الضعف والترقيع والخَوَر، لا يمكن.
الخصلة الرابعة… العلم؛ العلم بما يناسب موضوع المسؤولية؛ لا يمكن أن تكون القيادة بلا علم، والعلم بحسب نوع موضوع القيادة أو موضوع الأمانة والمسؤولية أو موضوع السلطة الممنوحة… لننظر في قصة القوم من بني إسرائيل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [البقرة: 246]… إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾… ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: 247]، هذا العلم هو علم بفنون القتال… هذا نوع آخر من العلم… ولذلك فالعلم لازم، ويكون بحسب المسؤولية والأمانة التي يُعطى إياها الإنسان.
هذا يجيب على سؤال أبي ذر؛ أي: لماذا لا… لا شك أنه من أهل التقى والخير والصلاح والبر، لكن هذه المسؤولية التي كان يطلبها – أن يستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيء – تستدعي علمًا خاصًا، وهو العلم بالحكم والقضاء بين الناس والفصل بينهم والنظر في مصالحهم، وهذا ما كان يفتقر إليه أبو ذر.