⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لعل الكثير منا يعرف الخلاف الفقهي في حد الرحم الذي يعني تجب صلته، والذي تتأكد صلته، والذي تُندب صلته، نعم، لكنني أظن أن سؤال الناس اليوم إنما هو لإيجاد مندوحة للتخفيف على أنفسهم، فليست القضية في الواقع العملي بمشكلة أبدا؛ كل واحد منا يعرف رحمه وقرابته.
نعم، تضيق الدوائر وتتسع، فتقوى معها الصلة وتضعف، أو تقوى وتبعد؛ فكلما كانت الدائرة أضيق، دائرة القرابة كانت أقرب وأدنى، فإن الصلة تكون ألزم وأوجب، نعم، وكلما ابتعدت دائرة العلاقة، ابتعدت صلة القربى، فإن الصلة المطلوبة تكون أيسر وأخف.
جميل، لا يشترط في ذلك الزيارة؛ ونحن حينما نتحدث عن البر والإحسان وصلة الرحم وصنع المعروف، فإن هذا يتحقق بوسائل كثيرة، لا يلزم من ذلك ما يتوهمه الناس، أو ما يجدونه في نفوسهم من وساوس الشيطان من أنه لابد من الزيارة وقضاء يوم كامل، وتحمل ما لا تحتمله النفس في بعض الأحيان، لا، وإنما يمكن أن يكون ذلك بأي نوع من أنواع التواصل، المهم ألا يكون هناك هجران، وألا تكون هناك قطيعة، وألا يفقدك قريبك حينما يكون محتاجا إلى من يواسيه ومن يقف معه، ومن يشاركه في فرحه، نعم، وأن يجد العون منك وأنت قريب له قبل غيرك من الناس الغرباء، مع أن هناك حقوقا مشتركة بين عموم المسلمين، إلا أنها بين ذوي القرابة والرحم ألزم وأدعى.
لننظر في قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1].
قراءة الجمهور في «الأرحام» على النصب: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ أي: اتقوا الله واتقوا الأرحام، فتجنبوا ما يمكن أن يقطع هذه الأرحام، وأن يورثكم سخط الله عز وجل بسبب تفريطكم في الأرحام.
فهذه الآية في هذا السياق تؤكد علو منزلة الالتفات إلى صلة الرحم، وأنه حتى على القول: إلى الجد الرابع، وإلى الجد السابع، وهناك من قال ـ من ضيَّق ـ قال: كل ذي رحم محرَم بافتراض أن العلاقة إن كانت تجعل أحد طرفيها ذكرا والآخر أنثى، فإذا كانت العلاقة بينهما ـ وهذا قول الإمام النووي ـ من حيث الزواج علاقة تحريم، فهم ممن يجب أن يصلهم هذا الإنسان.
لكن في الحقيقة هذا الوجوب الشرعي حتى نفهم المسألة هو وجوب إجمالي؛ يكون لا شك في حق الوالدين ألزم، ويكون العقوق من كبائر الذنوب، ثم يكون في حق الإخوة والأخوات أيضا أدعى وألزم، ثم يكون في درجة الأبوّة من الأجداد وإن علوا، ودرجة البنوة في الأحفاد وإن سفلوا وإن نزلوا، وفيما يُعرَف في الأرحام بالحواشي: من حيث الإخوة والأخوات، من حيث الأعمام والعمات، والأخوال والخالات، وأولادهم، كلٌّ بحسبه؛ لأن العلاقات هناك علاقات حرمة، هم من الأقارب المحارم، وهناك من الأقارب غير المحارم.
صلة كل أحد من هؤلاء تختلف؛ فهي كما تقدم في حق الدوائر الأضيق ألزم وأوجب، وفي حق من كان أبعد أيسر وأخف، ولكن لابد من صلة، لابد من الصلة حسب الإمكان والمستطاع، ويكون ذلك بما يتيسر، لا سيما في الظروف والأحوال المتقدمة، وبتنوع الوسائل التي يمكن أن يتحقق بها ذلك مع صفاء القلوب.